Wednesday, August 6, 2008

عينـــاه




جلست أنتظر صديقتي في أحد المقاهي..وأثناء انتظاري لها الذي طال..أخذت عيناي تتلصص علي من حولي من البشر الجالسين..فوقعت عيني علي شاب خمري..يبدو طويل القامة..عيناه بلون العسل الصافي..كعيون النسر تبدو..له شارب منمق وخفيف يعلو شفتيه..يرتدي بنطال بني وجاكيت بنفس اللون وقميص أسود وحول عنقه سلسلة من الذهب..تبدو رائعة..وايضا خاتم زواج من الذهب شديد الرقي واللمعان..لا يزيد عمره عن الخامسة والثلاثين..شاب فاتن..لا أعرف ما الذي جعلني أنظر اليه..ولكنه فاتن..ذكرني بأشهر رجال الخمسينات والستينات رشدي اباظة الذي أسر قلوب الفتيات في تلك الفترة..وبما أن عيناه كعيون النسر أو النمر فهما لا تهدأن ..هما دائمتا البحث عن فريسة..هذا ما شعرت به..كانت عيناه تجول بكل أرجاء المكان حتي أستقرت أمام عيني..رمقني بنظرة لم اعهدها من أحد في حياتي من قبل..لم أعرف ماذا كانت تحوي هذه النظرة ولكنها جعلتني أتنفض من داخلي..وأطاطا رأسي أرضاً..رفعت رأسي من جديد ووجدته ينظر لي..كانت عيناه في منتهي الجراءة..نظرت اليه هذه المرة ولكن لم يقطع سيل النظرات بيننا إلا صوت جرس هاتفه المحمول..أخذ يتكلم..ويتكلم..ولكني لم أفهم شئ مما قاله..كان يتحدث بلغة غربية فأيقنت أنه ليس من أبناء وطني..ولكن الفضول أخذني وتركت أذني عند شفتيه..لعلي أفهم ما يقول .. وشعرت أنها ربما تكون زوجته..لأنه كان منفعل جدا..ومن خلال متابعتي للحوار فهمت بعض الكلمات(شبيك انتا..ليه مش داري تفهم عليا..واخا..واخا..قلتلك لاسبور..لاسبور..شبيك..يلا روح شوف بنتك)..وكلمات أخري كثيرة ولكني فهمت أنه من المغرب العربي..قد يكون تونسي الجنسية أو مغربي أو جزائري..وأثناء إنشغالي بالتفكير في جنسيته كان قد أغلق الهاتف..شعرت أنه قد تشاجر مع زوجته..ولكن عيناه ظلت تتخللني..وسرحت مع عيناه مرة أخري..ومن جديد يوقظني صوت هاتفه..وتركت ايضا أذني عند شفتيه..ولكني هذه المرة لم أبذل مجهود لكي أفهم ما يقول فقد كان حوار بسيط جداً :-
ايه يا معلم..لا يا سيدي لا جديد..هــا الطيارة نزلت..طب كويس وسكنت الناس في الاوتيل..عال عال..انا لا يا سيدي..مدام ايه بس..دماغك..انا..هاهاها..حته جديدة انما ايه..جديدة خالص وحياتك..صنف محجب..وحياتك لتكون أول قطفة علي اديا..هاهاها..
لم أسمح لنفسي بترك أذنيا أكتر من ذلك أحسست أن الحوار سيتجه الي كلمات لا يجب أن أسمعها..ولكن ما هذا الحوار..أنه من أبنا ء وطني..ولكن ما هذا الجبروت الذي يتحدث به..
ومرة أخري صوت هاتفه اللعين :-
أيوه يا حبيبي أنت فين ياروحي..مستنيكي يا بابا..متتأخريش عليا وحشتيني موت..
وإنتهت المكالمة..وكل هذا وأنا أحاول أن أُبعد عينيا عن عيناه..كأنهما مغناطس..أو بهما سحر لا أعرف ما بهما ولكنهما أسراني وجعلاني أتوه بينهما..وكنت أقاوم بشدة نظراتي اليه..حتي لا يزهو بنفسه أكثر..ولكن شد انتباهي إنه يخلع خاتم الزواج من يده ويدسه في جيبه ولكنه لم يلحظ أني أدركت فعلته..وبعد مرور ثواني معدوده كانت تقف أمامه فتاه محجبة..وجهها في منتهي البراءة..ترتدي جاكيت أبيض طويل..وبنطال جينز ازرق.. وشال يتوج رأسها بلون السماء..جعلتني من شده عذوبة مظهرها أن أشعر بأنها ملاك في صورة بشر..ومد يده لسلامها..فمدت يدها علي إستحياء..وطلب منها الجلوس إلي طاولة كانت قريبة جدا من طاولتي..وجلس هو و الفتاه وكان ظهرها لي واتجه لكي ياخد مكانه الذي هو أمامي مباشرة ولاحظت أنه يغمر لي بعينيه..فإنتفضت..وممدت يدي الي هاتفي لأتصل بصديقتي..وأخذت تعتذر عن التأخر لأن سيارتها تعطلت وهذا هو ما أخرها..وأشارت بيدي الي النادل أطلب فنجان من القهوة ( عايزة واحد كافيه واليه لو سمحت)..ولا أعرف لما كانت تتركني أذني وتتجه مباشرة الي شفتيه عندما يبدأ الحديث..وأخذت أسمع أعذب كلمات الهوي في حياتي.. كان يقولها الي الملاك..فهي منتهي أحلامه..وجودها في حياته يعني رضي الله عنه..شمعة سوف تضئ بيته بعد الزواج..حلم عمره الفائت وعمره القادم..وكلمات كتيرة وضحكات عاليه..لم أكن أسمع الفتاه ترد عليها ولكني كنت المح إيماءات برأسها تنم عن الخجل الشديد وهو يقترب منها يهمس بكلمات أو يداعب بشرتها بيداه..
في هذه الأثناء كنت أشعر بحرارة جسد الفتاه تملأ المكان.. كنت أشعر بدقات قلبها لكلماته..فأنا أعرف جيدا كيف يكون حال الأنثي عندما تهوي..كنت أشعر بها تحبه حتي الثمالة..فما الذي يجبر فتاة لها ملامح الملاك وتخطو كفرس عربية أصليه..أن تكون لها علاقه برجل متزوج..ولكني إيقنت إنها لا تعرف إنه متزوج..وأنه بارع في صيد الغزلان الصغيرة فهذا ما قاله في الهاتف(أول قطفه هتكون علي ايدي).. كم إحتقرت هذا الأنسان..إنه وحش سينقض علي عصفور صغير يفترسه ويدق عنقه ويتركه يصارع الموت بين دمائه..وجاءت صديقتي ورحبت بها وجلست أمامي فكان لابد أن أنظر إليه وأنا أحدثها..وكم كانت عيناه وقحه..مغروة..كأنه رجل لا يقهر..ذكر لا ترفضه أنثي.. أسد في عرينه..ساعتان وأنا مع صديقتي تتحدث لي وأنا تائه بين عيناه أحلم بهما..أشتاق اليهما..أحنوعليها..لا أعرف ما الذي أصابني..لقد أخذني معه الي بحور بعيدة..لم اعهدها من قبل..
ولكن عيناه تقول لي أنها غادرة كاسرة..متجبرة..لم أكن منتبه إطلاقا الي حديث صديقتي..وفجأه صوت تنبيه في هاتفي المحمول يعلن عن وصول رسالة..لقد إستقبلت رسالة عن طريق التكنولوجيا المتطورة التي تدعي (Bluetooth ) الرسالة عبارة عن وجه يغمر بعيناه..رفعت رأسي..فوجدته يغمر لي بعيناه..فإيقنت إن الرسالة منه..
هلعت..وإرتعشت يدي..وكاد فنجان القهوة..أن يقع من علي الطاولة..فقالت لي صديقتي ما بكي..هل الرسالة بها شئ ضايقك..لم أعرف كيف أرد عليها..وأنتبهت الي أن الفتاة تهم بالأنصراف..وهو لازال جالساً ينتظر دفع الفاتورة.. وقامت صديقتي ساعتها للذهاب الي دورة المياه..
أشحت بنظري بعيداً عنه ونظرت الي النافذة الزجاجية بجواري..وفجأة وجدته وبكل جراءه يقف بجواري.. قائلا : تامر اسمي تامر..أكيد كنتي عايزة تعرفي أنا أسمي إيه وأضاف وهو يجلس أمامي.. عارفة عنيكي فيها سر أموت ووصل ليه..
قلت : بس عينك غداره ..وخاينة...أنت بتخون مراتك..والبنت المسكينة دي..
فضحك بصوت عالي جدا...وقال : دا أنت واخده بالك مني بقي..من أول ما قعدتي..الستات نعمة من ربنا..بتخلي الحياه ليها طعم..وأنا بستمتع بنعمة ربنا دي..ايه حرام..
ومده يداه الي جيبه ..وأخرج كارت شخصي ..يوجد به رقم تليفونه وأسم شركته..وعنوانه ووضعه أمامي علي الطاولة..نظرت اليه ولم أتفوه بكلمه فقام هو من مكانه وانحني بقربي قائلاً..أنت عارفة عنيكي أخذتني من البنت اللي كنت معاها..وحلمت بيكي..أنا وأنت بس..أنا تهت ما بين شفايفك..ساعتها أفقت..ووقفت في مكاني وقلت له: لو سمحت يا أستاذ أمشي من قدامي..وخليك محترم.. فضحك وقالي لي: هستناكي..هموت وأسمع صوتك في التليفون..
وإنصرف وهو يغمر لي..ويزهو بنفسه كأنه طاووس..مختال بشخصه بطريقة غربية علي الرغم من إنه مجرد رجل خائن..زير نساء..وغد..وقح..غدار..هذا هو الانطباع الذي تركه بداخلي..شعرت ساعتها بالغثيان..وكم أشفقت علي تلك المسكينة..فهي تقف بانتظاره أمام المقهي..تابعتها من النافذه..فوجدته يمسك بيدها ويقبلها ويجلسها في سيارته..واثناؤ ركوبه هو أيضا غمر لي من جديد..وأشار بيداه علي إذنه بعلامة توحي أنه في إنتظار مكالمتي..وركب السيارة وأختفي..
ولكن طوال اليوم لم يغب عن باللي..منذ أنصرافي من المقهي حتي عند دخولي سريري لم يغب عن باللي..
لما هذه الثقة..من أين له بهذا الجبروت..من أين تأتي قدرته علي الخداع..أهو ثري..لعله ذلك فهذا ظاهر من ملابسه وسيارته..أهو ذو مركز..لا أعتقد لانه لا يتعامل بإحترام مع ذاته أو مع الاخرين..أو متعلم...لعله ذلك..أهو فحل..لعله..فما الذي يجعله يزهو بنفسه كالطاوس.. أو متدين..لا أعتقد..فمن يخاف الله لا يفعل ما يفعله..
وتسألت بيني وبين نفسي..أهذا هو حال الرجال في وطني.. يا تري..هل هذا يصلح ليربي نشأ..أو يدافع عن ارضي وترابي وشرفي...هل هذا يصلح ليحاسب أولاده علي أخطائهم...
وأنا أسند رأسي علي وسادتي..مددت يدي الي حقيبتي...وأخذت الكارت الخاص به..ونظرت اليه اسمه وعنوانه وأرقامه..وأبتسمت..
وقلت لنفسي....لما لا اتصل به...

أزمة رجالة

يا ناس يا هووووووو ...
يا كبار يا فاهمين ...
يا ناس يا بتوع زمان يا راسين ..
تعالو شوفوا اللي بيحصل للبنات المساكين..
تعالوا يا ولاد البلد يا معلميين ...
تبقي البنت..ست الكل..ست المؤدبين ...
حجبها فوق راسها زينة ...اصلها بنت ناس مؤمنين..
ويجلعا عريس دا ابن ناس قال ايه كويسين ..
ويمكن كمان يكون داخل علي اواخر الخمسين ..
ويقعد معاها ويقولها انت هايلة بس نقصك نقطتين..
نتجوز والحياة هتبقي هاي..وجنينه ياسمين ...
عايزك تبقي زي كلاس..وشويه مودرن حبتين ..
فتبص البنت عايزة تفهم وتنفنجل عنيها الاثنين ..
يقولها العريس ابن الناس الكويسين..
انت حلوة بس لو شلتي اللي فوق راسك دا هتبقي ست الحلوين..
ونكتب الكتاب ونجيبن الماذون هنا في ساعتين ..
واخدك ويكون الهاني مون في شرم الشيخ او الغردقة او حتي راس التين ..
ونعيش الحياة ..ناكل ونشرب..وننزل البسين...
وطبعا يا روحي المايوة لزم يكون قطعتين ..
وتلبسي في السهرة فستان تكولتيه يكون بحملتين..
نسهر ونرقص للصبح ويمكن نشرب كاسين..
والبنت يا عيني قاعدة لسه مفنجله العنتين ...
لا بتصد ولا بترد خايفة تبقي بتتبطر وتبقي من المعنسين ..
وكلام امها بيدور في راسها..يا بت اقبلي انت عديتي التلاثنين...
بالذمة يناس يا كبار يا فاهمين .. يا ولاد البلد يا معلمين ...
دا يبقي كدا من الرجالة ولا احنا لمعني الرجولة مبقيناش فاهمين..

تايهة

قعدت تايهه علي الدائري من مدينة نصر ساعتين ...
وكنت هموت ضحية اللوري ابو عجلتين ...
كان هيركب فوق العربية لاني ماشية بسرعة أربعين ..
واصرخ من الرعب بس مين يسمع صوتي وسط السواقين..
وطلعت من طريق لطريق تاني مفهوش سريخ ابن يومين ...
حتي التنك كان خلاص فضي مفهوش بنزين ...
ولا حد راضي يقف ويقولي اروح فين ...
وفضلت اعيط ومليت من الدموع يا يمكن جردلين ..
ورركنت وديتها فلشر شمال ويمن..
وفضلت ابكي لوحدي بدل الدقيقة يمكن عشرين..
وفجأه بصيت لقيت قدامي نص نقل متين ..
نزل منه بدل الشب اتنين ..
وبصلي واحد فيهم بعنيه اللي علي الطريق سهارنين ..
وقالي شكللك تايهه يا ست الحلوين..
قلت ايوه يا سيد الاسطوات انت يا زين..
وقالي طب عارفة انت رايحه علي فين ..
رديت بهزة راس ونزلت من عيني دمعتين ..
قالي يا شابه انت علي طريق الواحات
ويلزم رجوعك للدائري تاني لفتين ..
وسابني الشاب وحدي تاني تايهة واروح لمين..
وفلضت ادخل شمال في يمين..
لحد ما قبلت الشبخ البوابين ...
راجل كبير اسممراني شكله كدا من مواليد سنة خمسين ..
قالي امشي لاخر الطريق هتلاقي ميدان جهينة دا اكبر الميداين..
واخير وصلت لطريق عارفة مشيت عليه بدل المرة ستين..
ولقيت بنزيه ومليت التنك بنزين..
واخدت المحور وكان زحمة وقلت اهون من طريق المشاه الميتين..
ووصل بتنا وكان هابن علينا ابوسي الارض بوستين...
وخدت امي في حضني وقلتلها كنت هموت يا ما
وكنتوا في قسط العربية هتبقوا متورطين..
بصت وضحكت وقالتي يا بت مش في تأمين..
وفضلت اضحك انا وامي وخواتي برجوعي بالسلامة فشر المجانين

اه.. يا بلد

وانا ماشيه لا بيه ولا عاليه وفحالي..
قالوا يا بت ما دريتي في علاوة والعيشة مستواها هيببقي عالي ..
قلت فكك من الكلام دا..حتي البنزين بقي غالي...
..ماهو من دقنه وافتلو..والكل يقول وانا مالي ...
الحق حته من لحم الدبيحة لحم بلدي والعيشة تحلالي ...
ماهي بلد ماشية علي حل شعرها وماليها حاكم..
فضحت اهلها خصخصت حلمها وبرتوح للي يدفع اكتر
في اسود الليالي..
ويا عيني يا بلدي من سواد لياليكي وضنا ايامي..
مواصلات تغلي ..والعيش يغلي...
والهم طايلنا..ولسه ياما هنأسي...
ومن ارضك يا بلدي طالع دود يأكل في جتتنا علي حياة عينا ..
واه من كتر الامي..
لا قادرة اصرخ..ولا قادرة ابكي.. والغلا جرح غاير جوا حلمي ...
يسرق كل أمالي ..
والكل سارح في ملكوته يكلم نفسه.. هيتجنن.. ماشي بيعاني ..
دموعه نازلة من عيونه.. تكوي جفونه وتخليه يكفر بكل المعاني..
وليه يا بلدي تاكلي لحمي تمصي دمي..دا انت كل اهلي..
كل ناسي..
يا بلدي تطبطي عليا بكل حنيه بدل ما تسيبيني لكلاب السكك..
للقوادين والكراسي ..
يتاجروا بعرضي ييبيعوا شرفي ..
ويارتني جايبه ثمن كلمة تحيا بلادي ..

أنا بعرف

يااااااااااااااااااااااااااااه..قد إيه فرحت أوي لما قالي..أنت بتعرفي.. طلعت كل الخنقة اللي جوايا.. حسيت أني عصفورة خرجت من القفص بعد ما كانوا حبسينها.. حسيت أني شجرة وسط صحراء ارتوت بمية مطر.. أنا بعرف.. بجد.. مش قادرة أصدق نفسي..
يعني عجبتك..
قال لي.. طبعا عجبتيني.. اللي أنت بتعمليه ده دليل إن إحساسك عالي..
أيوه والله.. أنا إحساسي عالي خااالص.. بس مش لاقيه اللي يقدَّر.. أصل أنا لما حد بيعمللي إحباط ومبيبقاش فاهمني مش بعرف أكمل..
قال لي.. لا أنا فاهمك كويس أوي وعايزك تكمِّلي.. اعملي اللي أنت عايزاه.. عايزك تعبري عن نفسك على الآخر..
بجد أنفع يعني..؟
طبعًا تنفعي.. لو حد زيك أكيد لازم ينفع.. وإيه اللي مينفعهوش..
طب أعمل إيه تاني..؟
قال لي: ولا أي حاجة سيبني نفسك لإحساسك.. هتلاقي كل حاجة تماااااااااااااااااااام..أنت مؤهلة على الآخر.. ولأكتر من كده كمان.. موهوبة.. بس ناقصك الخبرة.. والخبرة دي مع الوقت هتيجي.. ونصيحتي إنك لازم تقري كتير.. تقري أي حاجة تقع في إيدك.. كتاب.. جرنان.. قصة.. شعر.. أقري في أي مجال.. علوم.. أدب.. سياسة.. اقتصاد.. دين.. تاريخ.. علشان تعرفي أكتر.. الموهبة لازم تتسقي بخبرات الناس اللي قبلك.. طبعا بتعرفي.. وأكيد بتعرفي تكتبي.. وبتكتبي كويس كمان.. بجد عجبني كل اللي قريته.. وهقف جنبك وأشجعك..
بجد مش عارفة أقول لحضرتك إيه.. أنت أحسن مدير نشر في الدنيا.. ضيعت الحنقة اللي جوايا.. خلتني أحس إن الدنيا ممكن تبقى أحلي والخنقة ممكن تروح.. وإني أقدر أغير أحساسي.. بالزهق.. بجرة قلم..
وخليت عندي أمل أن بكرة أكيد أحلى.. وإني أقدر أقف قدام أي مشكلة.. بجرة قلم..
وإن مفيش حد ممكن يقف في طريقي.. وإني بعرف أكتب.. بعرف أحس.. بعرف أكون أنسان ليه مشاعر وقلب.. بجرة قلم ..
أعرف أوصل كل اللي عايزاه من غير ماخاف.. ومن غير متكسف..
بجد أشكرك..

مس ايجيبت

كل سنة إعلانات في كل الجرايد والمجلات عن ملكة جمال مصر.. مس إيجيبت.. والدنيا تقوم ومتقعدش.. وبنات زي الفل تروح تقدم في المسابقة.. وإيه الدنيا بتبقى هيصة.. ومن كتر الخنقة اللي أنا عايشة فيها.. قلت أروح أقدم في المسابقة علشان أبقى مس إيجيبت.. بس أنا كده هبقى مس إيجيبت في الخنقة.. لا بجد فكرة والله.. وليه لأ.. أروح أغير جو.. وأقعد شوية مع البنات الهايلين دول على البيسين.. وأتفرج على الحفلات اللي بتبقى ملط زلط.. ومطربات ومطربين.. وصحافة.. وتصوير وتلفزيون وإيه..؟ حاجة ولا الأحلام.. بس طبعا هيضايقني شوية.. موضوع عرض المايوهات.. مش عارفة.. نبقى نشوف صرفة للقصة دي.. قال مايوهات قال.. وعجبتني الفكرة.. ونمت بحلم بيها قدام التلفزيون وأنا ماسكة.. كتاب أنا حرة بتاع إحسان عبد القدوس.. غفلت ثواني.. وحلمت أني دخلت المسابقة.. وطبعا لقيت البنات في الحلم.. كلهم حلوين.. كلهم هايلين.. بس همه حلوين بس.. بس.. وبعدين دول عشرين.. فين باقي بنات مصر.. ليه مش موجودين.. هي المسابقة مش اسمها مس إيجبت.. ليه مافيهاش صحفيات.. مخرجات.. داكاترة.. مهندسات.. أوحتى بياعات فجل.. مش دول برضو بنات مصر.. يعني مس إيجيبت بتبقى للبنات المتقدمين بس.. وفي وسط الحلم شفت البنات بيقطعو في شعور بعض.. علشان ياخدو اللقب.. وبيضربوا بعض بالشلاليت.. وبيشنكلوا بعض.. وبيعضوا بعض.. يا ستار يارب.. وبعدين بقى.. لقيتهم بيتكلموا في إيه.. لا حد بيتكلم في مشاكل الأمية.. ولا الفقر.. ولا اضطهاد البنات.. ولا قهر الستات.. ولا البطالة.. ولا واحدة فيهم ماسكة كتاب.. تقرلها كلمتين ينفعوها.. لا إيه الحوار كله كان على الموضة.. والماكياج.. وأي كلام.. في الأحلام.. وفي الحلم كمان شفت.. إن البنت اللي خدت مس إيجبت.. مكنتش عارفة تكتب اسمها بالعربي.. وكانت بتتهجي الحروف.. فتفزعت.. وقمت من الحلم الوحش ده..
وقلت لا.. أنا مش ممكن أقدم في المسابقة دي.. دي حاجة يعععععععع..خالص..إزاي وأنا عاملة بقى مثقفة.. أروح أقف في صف الجهلة دول.. دول حتى مش بيعرفوا.. يكتبوا عربي.. بس بقيت بسأل جوه نفسي يا تري البنات دي.. فعلا كده.. دماغها فاضية.. ومخوخين من جوا.. ولا همه مثقفين.. وفاهمين.. فعلشان كده بيختاروا واحدة منهم تمثل كل بنات مصر.. يمكن بيتكلموا 7 لغات مثلا.. يمكن بيحضروا دراسات عليا في مجالات سرية مثلا.. غير مصرح أمنيًّا الكلام عنها.. أو يمكن دول من نسل نفرتيتي.. وشجرة الدر.. وإيزيس.. مبقتش عارفة غير إني أكمل قراءة رواية..
أنا حرة.. وأشرب النسكافية اللي برد.. وأنا بحلم أني ممكن أكون مس إيجيبت..

جدتي

كانت قمر.. بصراحة جدتي دي.. من الناس بتوع زمان.. الحلوين البيض.. القشطة دول.. وشعرها أصفر زي نور الشمس.. وعنيها كانت زرقا.. مش عارفة أنا مطلعتش ملونة زيها ليه..؟ بدل ما أنا أبيض وأسود كده..؟! يمكن حياتي كانت تتغير من كتر الألوان..
جدتي دي بقى كانت قصة وسيناريو وحوار.. من تأليف وإخراج الحياة.. أصلهم من تركيا.. وهمه صغيرين عاشت في سوريا.. وبعدين عاشوا في مصر.. يعني خليط كدا حلو موووت.. المهم جدتي دي كانت بتفهمني من نظرة عنين.. تبصلي كده.. تعرف أولي أيه وأخري إيه..
لما أحاول أخبي حاجة على كل الناس.. هي تبصلي كده تعرف إيه اللي أنا مخبياه.. مش تبقى حاسة.. لا بجد كانت بتبقي متأكدة.. وتقوللي الموضوع من أوله لأخره.. وأبقى شكلي وحش أوي قدام نفسي.. وأقولها.. كده يا تيتة هو أنا معرفش أخبي عليكي حاجة أبداً..؟!
في يوم من الأيام.. وقبل ما تتوفى بشهر كده..كنت قاعدة جنبها.. مدفوسة في حضنها.. بنتسلى بشوية لب.. وقعدت تفرجني على شوية صور ليها.. أول مرة أشوفها.. كانت إيه بصراحة زي ما بيقولوا.. مززززززة..جامدة جدًّا.. هوه فيه ستات كده دلوقتِ..؟ إيه ده.. هو أنا مطلعتش شكل جدتي ليه..؟ لا بقى إنني أعترض.. أنا عايزة أبقى زي جدتي.. هاخد الصورة بتاعتها.. وأروح لدكتور تجميل يخليني شكلها تماما.. دي أحلى من أي ست أنا شفتها في حياتي.. فشر هيفا وإليسا وكاثرين زيتا جونز.. وفي وسط ما أنا سرحانة هقول إيه لدكتور التجميل لقيتها ماسكة صورة لراجل برضه زي القمر.. قلت دا أكيد جدي.. حاكم أنا مشفتلهوش ولا صورة قبل كده.. وفضلت جدتي تحكي على قد إيه جدي.. كان راجل محترم وأخلاق..وياااااااااااااااااه على الحب اللي كانت بتتكلم بيه.. طبعًا ما بقاش فيه منه دلوقتي.. وفضلت تدعيلي وتقوللي ربنا يرزقك بواحد زي جدك.. بحلقت وفضلت أقول لها إن الصنف ده خلاص انقرض.. مبقاش فيه منه.. وإن الناس اتغيرت والواحد مبقاش عارف يصدق مين ولا مين.. والناس بتكدب يا تيتة.. والناس وحشة يا تيتة.. وأكيد ماكانش فيه على أيامكم كده يا تيتة.. والناس مفيش في دماغها غير المصلحة.. وحاجات كتيييييييييييير..
تيتة بقى قالت لي جملة غريبة أوي أوي أوي (يا بنتي من خدعنا بالله انخدعنا له)..
مبقتش فاهمة: يعني إيه يا تيتة..
فضلت تفهني إن اللي يقول والله ما عملت لازم أصدقه.. لأنه حلف بالله.. اللي يقول والله ما سرقت لازم أصدقه.. لأنه حلف بالله.. لأن ربنا هو اللي أدري باللي في قلبه.. وربك هو اللي شاهد عليه.. عارفة حتى لو هو كداب لازم تصدقيه.. لمجرد إنه حلف بالله..
طب يا تيتة ساعات قلبي بيقول لي إنه كداب.. وساعات ببقى حاسة إن اللي قدامي كده كله كدب في كدب.. وأبقي شاكة أوي أوي أوي يا تيتة.. إنه يمكن كمان يكون بيخون..
قالت: صدقيني مسير اللي بيكدب يتكشف.. ومسير الخاين يبان.. ومسير الحرامي يقع في شر أعماله.. كل ظالم له نهاية.. وكل شر له حد.. وربنا فوق كل ظلم.. وكل شر.. يا بنتي صدقيني دي خبرة سنين.. حاولي تصدقي الناس علشان ترتاحي..
بصيت لجدتي وسكت وفضلت أكرر الجملة جوا قلبي (من خدعنا بالله انخدعنا له)..

صداقتنا كاذبة

كنا أنا وأنت منذ الصغر.. نلعب.. نلهو نضحك.. نتقاسم الحلوي.. في طرقات الحي سويًّا.. مررنا بلحظات المراهقة سويًّا.. ذهبنا إلى كل حفلات الجالية المصرية في البلد الغريبة سويًّا.. فُتحت عينيا على قُرْبِكِ.. تعلمت منكي.. كيف أضحك.. وتعلمتِ مني كيف تكتبين.. لم يكن لي أخوات بنات..كنت أنت كل أخواتي.. رأيتك أول مرة.. وكنت أنا الطالبة الوافدة الجديدة في المدرسة.. اقتربتي مني هدوء.. فالكل ينظر إلى الوافدة الجديدة.. ونظرتي لي وطمأنتيني
وقلتِ: أنت مصرية..
وقلت: نعم..
وأجبتيني: أنا ايضا مصرية..تعالي نلهو سويا..
وامتزجنا لسنوات.. ولم نفترق ليوم واحد.. فرحت لفرحك.. وبكيت لبكائك.. وأخذتك في أحضاني أيامًا كثيرة.. أتذكرين.. ساعة ما أخذتكِ بعيداً عني أضواء القاهرة.. برغم أننا كنا نأمل أن تخطو أقدامنا سويًّا أبواب الجامعة.. ولكنك ابتعدتي عني.. وسامحتك.. أتذكرين.. عندما أحببتِ.. وخانك ذلك الحبيب.. في حضن من ارتميتِ..؟ ألم تكن أحضاني هي سكناكي.. أتذكرين عندما قاسى قلبي.. أيامًا في بعد أبي.. كنت أنت بجواري.. أتذكرين عندما قررنا سويًّا.. أن نخطو نحو علاقتنا بالله.. خطوات جديدة.. كنا أنا وأنت نخطو هذه الخطوات سويًّا.. أتذكرين سفرنا إلى الإسكندرية.. ولهونا على الرمال.. وقطع النقود التي ألقينا في بئر مسعود متمنيين ألاَّ نفترق.. أتذكرين وتذكرين وتذكرين..؟
أتذكرين أن الابتسامة الوحيدة التي كانت على الوجوه يوم خطبتك كانت ابتسامتي أنا.. والفرحة كانت فرحتي أنا.. فكل الوجوه كانت عابسة حزينة.. إلاَّ أنا كنت سعيدة لسعادتك.. ويوم عرسك.. من زغرد.. من رقص.. من أضاءت فرحة عينيه شموع الفتيات أمامك.. من رفع معك فستانك.. من كانت تركض هنا وهناك.. لتكمل لكي ليلتك..
وتمر سنتان ويتأخر حلم الطفل الصغير.. ونذهب معًا.. أنا وأنت لهذا الطبيب.. وذلك.. نطرق سويًّا كل أبواب الأمل.. حتى أبواب الدجل مع الأسف طرقنا.. وتبكي عيناكِ بين يدي من جديد.. لانقطاع الأمل.. وأقول:لا انقاطع لأمل طالما نحن مؤمنون.. وأمسح دموعك بيدي من جديد.. وتمر الأيام والساعات ونلتقي أنا وأنت وأشعر بكِ وأقول..حُلمك في الطفل قريب.. يبدو عليك هذا الأمل.. وتهرب مني عيناكِ.. وتخفي عني حقيقة فرحتك.. وتفرحي بدوني لأول مرة.. وتمر الأيام والشهور.. ولا أعرف كيف أصل إليكِ.. لقد اختفيتِ.. واشتقت أنا إليكِ.. أحتاج إليكِ.. فلا أخت غيرك ولا صديقة سواكِ.. حتى قاومت نفسي واتصلت بكِ.. أعاتبك على بعدكِ عني.. أما عدتِ ترغبين في صداقتي..؟! أنسيتي أيام صبانا.. أفعلتُ شئيًا ضايقكِ..؟ أم أن زوجك غيَّرَكِ..؟ يا تُرَى ويا تُرَى..؟ وأجبتيني بأنَّها مشاغل الحياة وأنِّي سأعرف ذلك عندما أتزوج..
وشعرت أنَّكِ تخفين عني أمرًا مهمًّا.. طالما اشتقنا أنا وأنت إليه..
ومرت الأشهر.. وطلب قلبي مني الاطمئنان عليكِ.. فأنا لا أطيق بعدك عني.. مهما حدث.. وإذا كنت أخفيتِ عني حلم الطفل المنتظر.. فالآن يكون الطفل وصل..
وجائني صوتك عبر الهاتف.. وكنتُ فعلا أشتاق إليكِ..وسألتك هل أوشكت حالة الوضع.. أم أنكِ وضعتِ طفلك.. وتعالى صوت ضحكتك كما عهدتك منذ الصغر في حالة الإحراج والخجل.. وأجبتيني بأنكِ وضعتِ طفلاً.. واستغربتِ للغاية من أين عرفت..؟ فقلت أنت صديقتي.. أحس بكِ دائمًا.. وأحسستك منذ التقينا أخر مرة وتوسلتِ لي كي لا أغضب منك.. وأن ظروفك هي التي منعتك من أخباري.. وأنك كنت على خلاف مع زوجك.. فلقد حلف أغلظ الأيمان بألاَّ تخبري أحدًا.. وتظاهرتُ بأني صدقتك للأسف.. وأغلقت الهاتف على أمل أن ألقاكِ قريبًا.. ولكني كذبت عليكِ هذه المرة.. وهذه هي المرة الأولى التي أكذب فيها عليكِ.. فلن أستطيع أن ألقاكي.. لِمَ أخفيتِ عليَّ.. لِمَ قصَّرْتِ في حق صداقة الطفولة..؟ لِمَ سرقتِ أهم فرحة لي بكِ..؟ لِمَ..؟ أخفتِ مني أنا..؟ أن أحسدك.. كما يقال.. أم خفتِ على إحساسي لأني لم أتزوج حتى الآن..؟ كل هذه مبررات فارغة.. قاسية.. تقتل عشرين عامًا من الصداقة.. تقتل إخلاص سنوات.. تقتل فكرة الانتماء لشخص واحد.. شخص هو أنتِ.. فلقد أحببتك كل الحب.. وأعطيتك كل العطاء.. آسفة لن أسامحك.. لقد سرقتِ مني سنوات عمري في وهم صداقة كذابة..

عم حنفي

في الصباح الباكر كل يوم ومباشرة بعد أذان الفجر بحوالي النصف ساعة يُسمع هذا الصوت يومياً.. يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. وبعدها تسمع صوت عربية خشبية تجر.. من تحت منزلي.. حتى تستقر تلك العربة الصغيرة على ناصية الشارع.. يوميًّا يقلق نومي ويخنق أحلامي هذا العم حنفي.. وبعدها بثوانٍ.. يعلو صوته مناديًا على صبي القهوة: أنت يا واد يا حسين كوباية شاي منه فيه بسرعة خلينا نصطبح ونشوف ورانا إيه..
وفي هذه الأثناء تكون الشمس بدأت في الشروق.. فأفيق من نومي على صوت حسين وهو يأتي مهرولاً لعم حنفي.. وهو يقلب كوب الشاي اللي منه فيه.. ويناوله إياه.. قائلاً: صباح الفل يا أبو الجرانين.. إيه الأخبار النهارده يا عم حنفي.. يقول حسين الذي لم يتجاوز عامه الخامس عشر.. ويجلس بجوار عم حنفي.. ليستمع إلى أخبار العالم.. يوميًّا ما يتكرر هذا المشهد.. فعم حنفي هو بائع الجرائد بالحي.. يعمل بهذه المهنة منذ أن كان في عُمْر حسين تقريبًا.. شهد الكثير من أحداث هذا الوطن.. أحسه صرحًا من صروح وطني.. كتثمال رمسيس أو ميدان التحرير.. أو حتى برج الجزيرة.. فعم حنفي دائما ما تراه بنفس الزي صيفًا وشتاءً.. دائما ما يرتدي جلبابًا زيتيًّا وفوقه بالطو زيتي وأيضًا الطاقية الزيتي التي لا تفارق رأسه أبدًا مهما كانت الظروف.. بالإضافة طبعًا إلى الحذاء الزيتي الذي لم أره بغيره طول فترة عمري الماضية.. دائمًا ما أشعر بأنه مخبر تسلل إلى دنيانا من أحد أفلام الأربعينيات القديمة بهيئته وهندامه الذي لا يتغير أبدًا.. وبعد سؤال حسين عن الأخبار.. يبدأ عم حنفي بتصفح الجرائد ليطلع حسين على آخر الأخبار...
وفي هذه الأثناء.. تحضر الحاجة أم شيماء زوجة عم حنفي.. تتبختر في عباءتها السوداء المتهالكة.. التي أصبح لونها رماديا من كثرة الاستخدام.. وأعتقد أنهالم تشتر غيرها منذ سنوات.. وهي تتجه نحو عم حنفي.. وتنظر إلى حسين قائلة: صباح الخير يا ولا.. أخبارك إيه.. فين الشاي بتاع خالتك أم شيماء.. وللا خلاص كلام الجرايد هياكل عقلك أنت كمان زي عمك حنفي.. اسمع يا واد يا حسين.. سيبك من الجرايد بتاعة اليومين دول.. عمرك ما هتاخد منها لا حق ولا باطل.. مش أنت يا ولا عندكم في القهوه وصلة للدش.. ابقي خللي الراجل بتاع الدش يجبلكم القناه دي اللي بتجيب الأخبار عمَّال على بطال وأنت تعرف اللي بيحصل في البلد قبل ما يكتبوه في الجرايد.. حاكم إحنا بنعرف الأخبار بعد الهنا بسنة يا واد يا حسين.. يا حنفي.. تعالي يا خويا جبتلك شوية طعمية سخنه لسه طالعين من الطاسة حالا.. يستهلو بقك والله.. وكمان شوية بتنجان.. يسري على قلبك عشان تستحمل مناهدة الناس ساعة الصبحية دي ما أنت شقيان والله يا حنفي..
كل هذا الحوار وأنا أطل من شرفه شقتي على ما يدور عند عم حنفي بتاع الجرائد.. فكم أكره الإزعاج والضوضاء الصباحية التي يقوم بها ذلك الثلاثي (عم حنفي..وأم شيماء..وحسين) يجعلون يومي يبدأ بنوع مختلف من أنواع الخنقة.. بسبب الصوت العالي الذي يقلق نومي.. ولكني في بعض الأحيان أستمتع بالاستيقاظ مبكرًا والوقوف في الشرفة فكم أهوى عبير الصباح من هذه الشرفة.. وأهوى نشرة أخبار عم حنفي فأطلع على أخبار الدنيا من خلال صوت عم حنفي الأجش وهو يقرأ لحسين الأخبار.. وأخذت أنصت إلى حديث عم حنفي.. وراح يأخذني ما بين وريقات صفحات الأخبار.. من هذا الخبر إلى ذلك.. وأنا أنظر إليهم من شرفتي هو وحسين والأخير جالس أمامه على حجر رصيف الشارع.. وفي معظم الأوقات ينتابني إحساس بأنه لا يستوعب كلام عم حنفي ولا يفقه أصلاً معنى كلمة واحدة مما يقوله.. لأني أنا شخصيًّا في بعض الأوقات أستشعر الثقافة المفرطة في هذا العم حنفي.. يتحدث في الاقتصاد.. البورصة.. السياسة.. الفلسفة.. حتي التربية.. السينما طبْعًا يعرف كل النجوم.. الأجيال السابقة والحالية.. وانتبهت إلى ذلك الصوت الذي ينادي على حسين.. أنت يا زفت.. تعالي شوف طلبات الزباين يا ابني تعالي خلينا نشوف شغلنا ونصطبح بقى الرزق هالل سيبك من عم حنفي وكلامه اللي لا بيودي ولا بيجيب دا كلام جرايد يا ولا.. تعالي خلينا في أكل عيشنا ..كل دا كلام حبر على ورق..
يللا يا حسين روح لمعلمك.. خلينا نصطبح كل واحد يشوف أكل عيشه.. هذا ما قالته أم شيماء زوجة عم حنفي.. وجلست إلى جوار زوجها.. تنادي على الجرائد.. كأنها تنادي على التفاح في سوق الفاكهة.. يا أهرامنا.. يا أخبارنا..يا جمهوريتا...المصري اليوم.. يا دستورنا.. الحق يا عم قبل الأخبار ما تبات وتبرد.. الحق يا عم شوف أخبار الجرايم.. الانتخابات.. وكمان الأوكازيونات.. يللا يا رجاله.. يللا قبل ما يغَلُّو الجرانين.. يللا يا جدعان.. الأخبار ببلاش.. وتقترب من عم حنفي الجالس بجوارها قائلة: معلش يا حنفي ابقى شوفلي معاك كدا حوالي 30 جنيه.. أصل كيلو الزبدة الصفراء بقي بـ28 جنيه.. ومينفعش الطبيخ بسمنة هولندي.. فاكر زمان أيام ماكان بـ12 جنيه من ييجي سنتين تلاتة كده.. وتعود كما كانت تنادي.. يا أخبارنا.. يا جمهوريتا.. المصري اليوم.. يا دستورنا.. الحق يا عم قبل الأخبار ما تبات وتبرد.. نظر إليها عم حنفي بحيرة وبفخر.. حيرة فكيف يدبر الـ30جنيه.. وفخر لأنها تبيع الجرائد...بشموخ..

يا مسافر وحدك

ها أنت الآن.. تلملم حاجياتك..وأوراقك.. وملابسك.. وأنا بيدي أضعها في حقيبتك..كل ما يتعلق بك..صورك..كتبك الصغيرة..الأحذية التي تفضل..حتى هدايا الأصدقاء.. وأتظاهر بأنني بخير.. أتظاهر بأني غير متأثرة.. ولا أبالي.. سوف تغيب فقط لمجرد عام.. ثم تعود.. لا عليك.. فالجميع يرحل الآن.. ولا أحد يبقى.. غير القليل.. الذي يحاول أن يرضى بالقليل..
أبَتْ عليَّ دنياي أن تبقي بجواري.. فكيف لشاب مثلك.. أن يخطو نحو المستقبل في بلد يقهر الأحلام.. يقتل الآمال.. يغالي في ثمن لقمة العيش.. يبني أبراج لا يسكنها سوى الأشباح.. ينشئ نوادي لا يرتادها إلا الكهول..
أبت علي دنياي.. أن تبقى بجواري.. نضحك كما كنا نضحك.. نختلي بأنفسنا أنا وأنت ونحن نلهو بألوان الشمع.. نركض خلف بعضنا البعض.. تسكب على ملابسي مكعبات الثلج فتقتلني شدة البرودة.. وأركض خلفك بباقي المكعبات أدسها ما بين ملابسك.. تحاول سرقة قطعة الشيكولاته التي خبأتها في جيبي.. تحاول أن تأخذها مني.. وتسبقني يداك إلى جيبي.. ونقع على الأرض ونبتسم سويًّا..
حبيبي.. بقي من الزمن ساعات.. وترحل.. وستفصلني عنك القارات.. ستفلصني عنك أيام.. فلن أستطيع.. أن أتحدث إليك يوميًّا.. ولن أستطيع أن أوقظك من نومك.. ولن أعد لك الإفطار.. ولن أختار لك ملابسك وأنت ذاهب للعمل.. ولن توقظني من نومي قائلاً مبتسمًا هلمي أيتها الكسولة سنتأخر..
سترحل وأنت الوحيد الذي أستطيع الحوار معه.. أنت ابتسامة علي شفتي.. زهرة في أرض أيامي البور.. أنت قطرة ندى تسري على ورقة حبي لك.. أنت وأنت.. أنت طفلي الذي لم ألده.. وحلم أمومتي الذي تحقق فيك.. أنت رضيعي.. طفلي..
حان الوقت.. ومرت الساعات.. وأذن الرحيل.. وأُنزلت الحقائب في السيارات.. واحتشد الجميع للوداع.. وكلما اقترب منك أحد ابتعدت أنا.. كلما نزلت دمعة من العيون أبت دموعي أن تنزل.. كلما تفوهت الشفاه بكلمات الوادع.. رفض صوتي الخروج من حلقي.. يعلن صمتي المتزايد منذ معرفتي بخبر سفرك المفاجئ..
وتذكرت..قبل نزولك من على سلم البناية.. تذكرت صورتي معاك.. هل وضعتها في حافطة النقود.. وأخذت أبحث عن صورة تجمعنا سوا أنا وأنت وابتسامتنا..
وأنا أمد يدي إليك بها.. أخذك مني باقي الأخوة قائلين.. سنتأخر.. وأبى قلبي أن يتركك بدون وداع.. فوجدت قدماي تسابقك لتلحق بك في ساحة المطار..
وها نحن في ساحة المطار.. ودعت الجميع.. وقبلت الجميع.. واحتضنت الجميع.. ورفض كبريائي أن أحتضنك.. فلن أذرف الدموع أمام الجميع.. فأنا الكبري.. ولا يصح لي البكاء.. ولوحت لي من بعيد.. وتواريت عن الأنظار خلف الحاجز الزجاجي.. وراحت عيناي.. تحاول جاهدة أن تلمحك هنا أو هنا.. ولم أستطع أن أراك.. وجاءني صوت عبر الهاتف وقلت لي حبيبتي سأشتاق إليكي..
وقلت لك اقترب من الحاجز الزجاجي.. أريد أن أراك..واقتربت.. وامتدت يدي تلمس يدك عبر الزجاج.. ولم أستطع أن أتمالك نفسي أكثر.. خانتني عيوني.. وانهمرت دموعي.. وعَلاَ صوت بكائي.. ورأيت في عينيك دمعة.. وطلبت منك ألاَّ تبكي.. فالرجال لا يبكون.. وأنت رجل يا حبيبي..
ووجدتك تتجه نحو البوابة تطلب من الضابط الإذن بالاقتراب مني.. فسمح لك في لفتة منه..
واقتربت مني.. واحتضنتك.. وبكيت وأنا بين أحضانك.. بكيت كثيراً.. حتى نودي على موعد إقلاع طائرتك.. وخلصك من أحضاني باقي الأخوة.. حتى لا تفوتك الطائرة.. ولوحت لك قائلة: سأفتدقك يا حبيبي.. سأشتاق إليك يا قلبي.. راسلني يا قرة عيني.. سأتصل بك يوميًّا يا حبيبي يا أخي..يا شقيقي..يا حبيب أختك..

كله علي الله يا بطاطا

وأنا قاعدة في البلكونة ببص على اللي رايح واللي جاي ساعة المغربية لمحت بياع البطاطا كدا وسرحت على صوته وهو عمال ينادي بعلو حسه.. معسلة أوي يا بطاطا..كله على الله يا بطاطا.. ودخلت كلمة كله على الله دي جوا قلبي...وجعتني...ياااااااااااااااااااااه..فعلا كله على الله... بس مين يفهم.. مين يحس.. مين يقدَّر.. إنه مهما عمل في الناس.. كله على الله.. محدش عارف.. الدنيا مخبياله إيه وافتكرت ساعتها حكاية البنت فريال.. بنت العلاف اللي على ناصية الحارة بتاعتنا.. البنت فريال دي بقى زي ما بيقولوا كانت فرس.. طول.. بعرض.. أي والله.. حاجة كده ولا في الاحلام.. شعرها دا فشر شعر الخيل.. صحيح ما هي فرس.. تحب تتفرج عليها وهي رايحة وهي جايه..
ياما جدعان طلبوها.. الكل طمعان في جمالها.. أصلها محليتهاش غيره.. لا بنت وزير ولا بنت سفير.. أول ما خرطها خراط البنات.. طلبها الواد رمضان ابن الحاج مصطفي الخشاب.. ناس بقى إيه معلمين.. وتجار.. والبنت هتعيش في عز وهنا.. بس البنت..أ مها رفضت علشان تكمل تعليم..
وفعلا البنت اتعلمت واتنورت.. وبقيت كده زي حالاتي... من الموظفين في الأرض.. ومرت السنين.. وفريال مع كتر خطابها متجوزتش... هي دي اللي ينطبق عليها مثل من كتر خطابها بارت.. والواد سيد بعد عشر سنين.. طلبها تاني.. والكل وافق.. وأهلها انبسطوا.. والكل كان فرحان.. وبعد شهر الواد سيد قليل الأصل ساب البنت فريال.. وقال لها.. أنت رفضتني مرة.. وأنا أديني خطبتك وسبتك..
والبنت يا حبة عيني.. قلبها انفطر.. وخست وبقيت عاملة زي عود القصب.. وبقيت حالتها تصعب على الكافر.. الواد ماشي يلسن عليها.. كسر نفسها.. كانت مناخيرها في السما.. وهي كانت نجمة برغم فقرها وقلة حيلتها.. بس نفسها كانت عزيزة أوي.. والواد رمضان اتجوز.. وخلف توءم.. ومرت السنين والبنت رغم إنها ست البنات.. وحلوة الحلوين.. برضو متجوزتش.. ومحدش عارف ليه قمر الحارة متجوزتش.. بس هنقول إيه النصيب.. المهم إن الواد رمضان بعد ما ساب البنت فريال.. وتقريبا كده جرسها في الحتة كلها.. رجع بعد 3 سنين طلبها تاني لأنه بيحبها وعرف قيمتها لما سابها.. وفرش الأرض رمل تحت رجليها..
بس قالوا إن جرحها منه كان كبير أوي.. وعشان كده رفضته.. وقالت له إنها رفضته زي ما هو رفضها وإن كرامتها اتردت ليها.. لأنه بطلبه ليها تاني أكد لكل الناس إنها بنت زي الفل وإن الكلام اللي قاله عليها كدب في كدب.. وكل الحكاية دي اتفتكرتها وأنا بسمع بتاع البطاطا.. بس الغريبة بقى هي الناس ليه بتجرح بعض..؟ وليه بيفتروا على بعض..؟ ليه محدش بيراعي ربنا في النعمة اللي في إيده.. علشان بعد ما تزول ميضربش نفسه بالجزمة إنه ضيعها من إيده.. ليه الناس متقولش الحمد لله يارب بارك.. ليه دايما اللي في إيد الغير يحلى.. ويكون أحسن من اللي في إيدينا.. لوكل واحد يسبها على الله.. أكيد هتبقى أحلى.. وكله على الله يا بطاطا..

المطافي

شيء مهم أوي أن كل إنسان يكون عنده تفاصيل كل الأجهزة الأمنية اللي في البلد والخدمات..
يعني تعرف عنوان ومكان أقرب إسعاف ليك.. وكمان طبعًا أرقام التليفونات للطوارئ.. أرقام المطافي وعنوانهم ومكانهم في المنطقة اللي أنت موجود فيها.. أرقام ومكان أقرب مركز نجدة ليك.. علشان الظروف يعني لو فيه حريقة.. لو مش عارف رقم التليفون تجري على المكان وتقولهم الحقوني.. عندنا حريقة عقبال عندكم..
فلما أتصل بالتليفون بالمطافي وأقول السلام عليكم ..
يرد عليا واحد يبان من صوته إنه حد بيفهم يعني مش مجند طالع عينه ولا بيفهم في الطور ولا في الطحين..حد مهم لأنه كان شايف نفسه أوي بيتكلم من طراطيف مناخيره..
ويقول (وعليكم) من غير حتى ما يكمل باقي السلام..
ثم أسأل.. من فضلك يا فندم عايزة أعرف مكانكم بالضبط فين العنوان يعني حضرتك..
فيقول: اشمعنا..
استغربت أوي بصراحة وقلت له..هو حضرتك ايه اللي اشمعنا.. عايزة العنوان أعرف مكانكم فين بالضبط علشان الظروف يعني لو حصل حاجة لا قدر الله ومعرفناش نوصل للمطافي بالتليفون..
قال لي: مفهمتش برضه عايزة العنوان ليه؟؟
قلت: وهوه مش من حق أي مواطن يعرف المطافي فين..؟ ولا دا يهدد أمن البلد إني أعرف مكان المطافي..
راح شاخط فيَّ وقال لي أنت هتدخلي قافية.. عايزة العنوان ليه..؟
أنا بقى بصراحة لما شخط فيَّ اتفزعت وصوتي كده وطي.. وقلت: يا فندم ما قلت لحضرتك..
عايزاه ليه يعني..؟ وكان صوته مجلجل..
قلت له: بصراحة.. خلاص مش عايزة.. شكراً.. وقفلت بسرعة قبل ما يمد إيده من التليفون ويمسك في زمارة رقبتي ويقول لي عايزة العنوان ليه.. هو أنت اللي عايزاه ولا فيه جهه دولية هي اللي بتسأل.. هو أنت اللي عايزاه ولا ده تنظيم سري لضرب المنشآت الحيوية في البلد..؟
صعبت عليَّ نفسي أوي.. هوه بيشخط كده ليه.. هو أنا كنت طلبت سر حربي يعني.. دا العنوان.. وقفلت وفضلت باصَّة في لوحة كانت قدامي مكتوب عليها (ادخلوها بسلام آمنين)..
وقلت ده حتى يا ربي.. مش عارفين نوصل لعنوان أقرب مطافي جنبنا.. فين الأمان بقي..

المشمش

وهل هلال فصل الصيف.. والحر إيه السنة دي.. بدأ بداية مبكرة أوي.. ودايمًا بيكون الحر أحد أسباب الخنقة اللي الإنسان بيكون عايش فيها.. موت بقى.. خصوصًا إن الكهرباء غليت فالإنسان حتى مبقاش قادر لا يشغل مروحة ولا أي حاجة تانية.. مش هنقول تكييف علشان الناس اللي على قد حالها في البلد.. وبعدين يعني هي جت على الكهرباء.. ما كل حاجة غليت وبقت نار.. المهم من كتر الحر قلت أنزل أتمشى شوية لما الدنيا.. تطرِّي.. وفعلا بعد أذان المغرب.. قلت يللا مبدهاش.. ساعة أمشي.. منها رياضة.. ومنها تجديد.. بدل الخنقة والحر.. وفضلت أمشي.. أمشي.. لحد ما رجليا كانت هتقع مني.. وقلت كفاية كده.. أرجع البيت بقى.. وأقول تاكسي... إن تاكسي يقف.. ولا حد راضي يعبرني.. وقفت نصف ساعة ولقيت نفسي هتأخر ومفيش تاكسي راضي يقف.. لحد فجأه ما لقيت أتوبيس هئية النقل العام الأخضر الجديد ده بيتبختر.. مش زحمة ومش فاضي.. قلت مبدهاش.. الحق لحسن أتأخر أكتر من كده.. وفعلا ركبت الأتوبيس وبصراحة كنت مبوسطة أوي.. أصل شبابيك الأتوبياسات كبيرة خالص.. هواها بحري علي الآخر.. وبعدين والأتوبيس هيوصلني لتحت البيت.. مش مشكلة أتفرج على الناس وأتفرج على العالم.. مش العالم اللي بره.. قصدي العالم اللي جوه.. الناس بتوع بلدنا.. وأستمتع بشوية الهوا دول.. وفي حتة كده لقيت الأتوبيس هدَّى.. وتقريبا ركن.. بس الغريبة إنه ركن في نصف الشارع والطريق وراه اتقفل خالص.. وبصيت لقيت السواق نزل وساب الأتوبيس.. دقيقة اتنين تلاتة.. والشارع واقف مش بيتحرك.. أصل الأتوبيس تقريبا كان راكن بعرض الشارع.. الغريب بقى.. إني لقيت شوية من الركاب نزلوا همه كمان.. فبدأت أسأل هو فيه إيه..؟ الناس نزلت وسابت الأتوبيس.. ياترى فيه حادثة..؟ لا قدَّرَ الله.. يكونش السواق خبط حد وهوه ماشي..؟ والناس نزلت تساعد اللي اتخبط وتحوش ما هو أكيد فيه ناس هتضرب السواق.. سترك يارب.. بس أنا محسيتش بأي حاجة من الحاجات دي.. فسألت راجل كبير في الكرسي اللي قدامي..
هو فيه إيه يا حاج..؟ بصِّلي وضحك وقال لي: (أنت أول مرة تركبي الخط دا يا بنتي..صح كده؟)
(أيوة يا حاج هوه فيه إيه؟)
(الفاكهة..مش المشمش طلع يا بنتي.. إحنا كل موسم فاكهة كده)
(أيوه يا حاج إيه علاقة الفاكهة بالأتوبيس..هوه فيه إيه؟)
(بصي يا بنتي من الشباك الناحية التانية وأنتِ تعرفي)
وقمت من مكاني مش خايفة أن حد يقعد فيه لأنه كل الركاب نزلوا أصلاً.. ولقيت منظر غريب خالص.. السواق.. والركاب واقفين عند واحد بياع فاكهة.. والكل بيشتري.. بقيت واقفة هتجنن.. سادِّين الشارع والناس عماله.. بيب.. بيب.. وبيشتروا فاكهة.. بس أنا كده هتأخر مووووت على البيت.. وبعدين لقيت واحد شكله كده المفتش بتاع الأتوبيس بس كان نايم.. رحتله وخبطت على ذراعه أفوقه وقلت: (أنت يا أستاذ.. هو الاتوبيس مش طالع.. أنت مش المفتش.. فين السواق بتاعك.. وبعدين الطريق ورانا واقف.. والدنيا بقيت موت.. السواق واقف في نصف الطريق(
قال لي: (ليه هوه فيه ايه؟)..وهو بيحاول يفتح عنيه..
(السواق نزل يشتري المشمش.. والركاب نزلوا كمان)..
قال لي: (حقيقي..الأسطى سعد ركن عند الراجل الفاكهاني دا الفاكهة بتاعته رخيصة أوي.. والناس نفسها تأكل.. تعالي يا بنتي معايا.. تعالي ننزل نشترلنا 2 كيلو كده ولا حاجة)..
وبصراحة بقيت واقفة في وسط الأتوبيس لوحدي أنا والراجل الحاج الكبير.. ببص من الشباك على الركاب اللي بدأو يتطلعو الأتوبيس واحد واحد بعد ما اشتروا الفاكهة.. وكان المفتش والسواق لسه عند الفاكهاني.. وأنا بصراحة قلبت معايا بضحك.. قلت يللا خللي الناس تنبسط هي هتبقي من كله.. بس اللي ضايقني المرورو اللي تعطل.. بس ماهو بيتعطل علشان التشريفات علطول.. خليه مرة بقى يتعطل علشان المشمش..

طحنية وشوية سلطة

تررن.. تررن.. تررن.. تررن.. دا في الحقيقة كان جرس الموبايل اللي عمال يرن.. وأنا ماليش مزاج خاااااااااالص أرد.. الموبايل مرمي على المكتب قدامي وأنا قاعدة على السرير.. فارشة جرنان الأهرام.. أقرأ بريد الجمعة.. أصل الحكاية ناقصة خنقة.. وكمان بالمرة أشوف إعلانات المدن الجديدة.. أهو برضه نتفرج.. من حق أي مواطن إنه يتفرج حاكم الشقق في المدن الجديدة دي.. لفرجة المواطن المصري.. وممنوع الاقتراب واللمس والتصوير.. والإضافة بقى كمان التفكير.. ممنوع مجرد التفكير إنك تحلم يكون ليك مكان هناك.. يللا ما علينا..
وبرضه التليفون لسه.. ترررن.. ترررن.. قلت: مابدهاش أشوف مين اللي مصمم يعكر صفو الخنقة اللي أنا فيها.. ولقيتها (لولو) صحبتي صديقتي اللدودة.. لولو دي لوحدها قصة..

ودار بينا الحوار..
أنا: أيوة يا ست هانم.
لولو: أنت فين يا قطتي.. مبترديش ليه.
أنا: عادي يا لولو مخنوقة ومش طايقة نفسي.
لولو: وأنت من أمتي كنتي طايقة نفسك.. أنا اللي مش عارفة أنا طايقاكي ازاي..
أنا: بقولك إيه ماليش دماغ خالص للكلام ده..أنا لسه حتى مضربتش فنجان النسكافية بتاعي.. ولسه مفقتش..
أصلي في الحقيقة بقعد ساعتين فاصلة عن الحياة.. أول ما أصحى من النوم ومش بفوق غير بفنجان النسكافيه.. اللي بيعملهولي الأوفيس بوي في الشركة.. فيوم الإجازة بيبقى صعب أوي من غيره.. إدمان بقى..
لولو: طب تعالي بعد الصلاة هعزمك على حتة أكلة كنتي هتموتي عليها..
أنا: والله يا لولو مش قادرة..
لولو: تعالي بس هتنبسطي أوي.. والله دا حتى إيمو جاي معانا..
أنا: طب إنتو خارجين.. أنا آجي بقى أقعد عزول مش ناقصة حرقة دم.. هفضل أبحلق وأفنجل عينيَّا الاثنين وأحسدكم..
لولو: يا شيخة اتنيلي.. تحسدي إيه.. هعدي عليكي الساعة 5 تكوني جاهزة..
أنا: قرفانة ومخنوقة و.....
ولسه بكمل كلامي.. لقيت طبعًا لولو قفلت السكة في وشي.. عادي يعني عادتها ولا هتشريها.. أصلها منين ما أكون قرفانة.. لازم تزهقني في عيشتي أكتر والاسم صاحبتي.. وفعلاً مكدبتش خبر والساعة 5 بالدقيقة كانت عاملة فرح زمامير تحت البيت.. وطبعًا غصب عني لبست ونزلت.. البنت جايَّه من آخر الدنيا.. وعازماني هي وخطيبها.. أروح فين بقى من الورطة دي..؟ ونزلت.. وعلى وشي ابتسامة صفرا.. وحمرا.. وحضرا.. ولمحتني لولو في المراية.. ما هو خطيبها سايق.. وهيه جنبه.. وأنا مرمية ورا..
وفضلوا الاثنين يتريقوا عليَّا.. وبقيت النشاط المسائي للتريقة يلا نتريق على روبي شوية.. وفعلاً مخلوش حاجة غير لما اتَّرْيقوا عليها..كل دا علشان يخرجوني من حالة الكآبة اللي أنا عايشة فيها.. بس أبدًا هو أنا أقدر أفك كده بسرعة من غير ما أعكنن على كل اللي حواليا..دا حتى النهادرة إجازة ولازم الخنقة تبقي للركب..
وسألتها: رايحين فين يا لولو.. هنطفح فين..؟
بصلتي بقرف أويييييييييييي..ومرديتش عليَّا.. فوجهت السؤال لإيمو: رايحين فين يا إيمو.. هنطفح فين..؟
فقال لي: مالك بس قرفانة ليه إيه اللي مضايقك.. هو أنت أول ولا آخر واحدة تأخذ بمبة.. عادي الظروف في العالم كله كده.. وبعدين خلاص يا ستي متحطيش 92 حطي 80 هوه الوحيد اللي لسه مغليش..
أنا: ليه إن شاء الله دي بالتقسيط خمس سنين يعني هفضل أدفع لحد ما يبانلي صحاب.. دا على كده كويس خالص إنها 1500 سي سي.. مع إني كنت هموت على حاجة 1600.. يعني مكنتش هبقى ملاحقة بقى منين وللا منين البنزين.. وللا من الضرايب.. والنبي بلا نيلة.. أنا في حالة هستريا من ساعة البنزين ما غلي.. ماما بتقولي: ابقي شيليها على كتفك وروحي بيها الشغل رايح جاي.. وللا أقولك أجَّرِلْهَا حمار يجرها أحسن.. شفتي يا لولو.. شفت ياإيمو.. حتى أمي الموضوع قلب معها بكوميديا.. تعرف أنا فكرت أدرس ميكانيكا.. يمكن أوصل لاختراع يخللي العربيات تشتغل بالمياه.. لا أنا هخليها تمشي بالطاقة الشمسية.. أهي الشمس هي الحاجة الوحيدة اللي ببلاش في بلدنا.. الحق قبل ما تغلي هي كمان)..
لولو: سيبك بقى من الكلام ده وركزي بس في الأكل.. أنا اللي عزماكي متخفيش.. مش هتدفعي حاجة وبعدين دا أنا برضه اللي عديت عليكي.. لِمِّي نفسك بقى.. وخلينا ننبسط بالأكلة الحلوة.. بلا بنزين بلا سياسة.. بلا وجع دماغ.
وبصيت للبنت لولو وسكت.. على رأيها يعني ماهي علينا كلنا.. هي عليَّا أنا لوحدي.. وركزت في الطريق لقيت إيمو متجهًا ناحية باب اللوق.. ياااااااه.. قد إيه انبسطت.. لأني عرفت هناكل فين.. أجدع واحد بتاع حمام فيكي يا بلد.. عم شلبي.. بتاع الحمام.. آه ولله.. حاجة الواحد يرم بيها اكتئابه وخنقته..
ودخلنا إحنا الثلاثة.. وكنت أول من جلس على الترابيزة.. كنت مبسوطة خالص.. كان بقالي كتييييييييييير.. نفسي آكل حمام.. عاملة زي العيل اللي قالو له هنوديك المراجيح.. ولا رايحين المولد.. ولا هنجيبلك عسلية..
بس لما دخلت مالقيتش عم شلبي وزعلت أوي أني ماشفتوش.. وبصراحة اتكسفت أسال عليه.. وطلب إيمو 4 فرد حمام.. ووصل الحمام يااااااااااااه على الجمال.. إيه الطعامة دي.. وكل واحد فينا أخذ واحدة..
ومنطقتش بكلمة طول فترة مصمصتي للعظم.. وفضلت أغمس من الطحينة.. لحد ما خلصت هي والسلطة.. وحبست بكوباية شوربة الحمام التمام.. وبقيت خلاص مش قادرة أتحرك.. وبصتلي لولو.. وهي بتقول: إيه رأيك يا روبي لو نأخد 4 فرد كمان.. خلينا نغب في الأكل.. أنا عارفة إنك بتحبي تأكلي كتير وأنت مخنوقة..
أنا: لا يا لولو أنا اللي أكلت 2 لوحدي وأنت واحدة وإيمو واحدة.. الدور الجاي ده ماليش فيه بقى.. علشان الدايت أنا كده بوظته..
إيمو: دايت إيه يا روبي.. أنت فاضل تاكليني أنا ولولو.
وطلب إيمو 4 فرد تانيين.. ووصل الحمام بالشوربة بتاعته تاني.. والجرسون بيحط الأكل على الترابيزة سألته هو كدا الحساب هيتكلف كام..؟ وبصت لي لولو وقالت: (هوه أنا مش قلت إن إحنا عازمينك).. وقلت للجرسون قول بس أنا عايزة أعرف ..
بص لي الجروسون وقالي (يا هانم أسعارنا زي ما هيه.. ما زاديتش غير جنيه أو اثنين.. احنا مزودناش 30% خللي الناس تاكل وتهيص.. هي هتبقي من كله.. بالهنا والشفا يا ست الكل.
بصيت للولو وإيمو وقلت للجرسون: طب وحياة والدك (طحينة وشوية سلطة كمان)..ومديت إيدي لطبق الحمام وأخدت فردتين حمام وقعدت أمصص وآكل في الحمام التحفة..وفضل إيمو ولولو يبصولي ويضحكوا..

الحلـــــم





كنت مع إحدى صديقاتي.. التي جمعتني بها الظروف منذ فترة قصيرة.. نتناول طعام العشاء في أحد المطاعم.. أخذنا نتبادل الأسئلة لنتعارف أكثر.. سألتني: أحببتي من قبل..؟
لم أفكر في السؤال بل جاوبت عليها فورا: أحببت منذ سنوات..ولا زلت أحب..
سألتني: أين هو..
قلت: إنفصلنا..
أتشتاقين إليه..؟
تهت وسط صوتها تسأل.. أخذتني الأفكار.. وجدت نفسي في غرفة بيضاء.. ليس بها أحد.. كلها بيضاء.. الجدارن بيضاء.. الأرض بيضاء.. حتى ثيابي وجدتها بيضاء.. لا باب بالغرفة.. لا نافذة صوت موسيقي فقط يملأ الأرجاء.. وجدتني جالسة وحدي على كرسي.. لا أعرف كم كانت مساحة الغرفة.. ولكنها كانت كبيرة.. كبيرة جدًّا.. رأيت في منتصف الغرفة طاولة.. عليها مزهرية بها زهور بيضاء.. أنا أحب الزهورالبيضاء.. أعشقها.. مددت يدي أخذت واحدة قربتها من شفتي..فقَبَّلَتني..
أحسست بيد تأخذ مني الوردة.. نظرت إلى صاحب اليد وجدته حبيبي.. أخذ مني الوردة قربها من شفتيه قبَّلها.. مرر الوردة على خدي.. وضع يديه على خدي.. كأن كفيه يحتضنان وجهي.. كما كان يفعل بالماضي.. تحسس بشرتي.. أخذني من يدي ووضع كفي بين كفيه.. رقصنا على أنغام الموسيقى.. اقتربنا من بعضنا البعض.. ذبت في ثنايا جسده.. وتاه في خطوط شفتي.. رأيت نفسي مرسومة في عينيه.. وكان هو محفورًا داخل قلبي.. امتزج الحلم بالواقع.. وانتشت الأزهار..وإبتلت أوراقها..ومالت علي أغصانها.. كما ملت أنا عليه..وفاح منها عبير..كاد أن يكون من شذا الجنة..كنت أشتاق إليه.. وكم كنت أشتاق إلى عبير عطره.. إلى استنشاق أنفاسه.. إلى ابتسامته.. أخذنا نرقص.. ونرقص.. ونرقص.. رقصنا في كل أرجاء الغرفة البيضاء الواسعة وضعت رأسي على كتفيه.. أحسست بقلبه يدق على أنغام الموسيقى يعبر لي عن اشتياقه لي.. اقتربت من رقبته.. أردته أن يشعر بلهيب أنفاسي وأنا بين أحضانه لعله يعي.. كم أنا عاشقة.. من فرط سعادتي برؤيته انفلتت من عيني دمعة.. انسالت على كتفه.. فرفع رأسي بكفه إلى وجهه ومسح دمعتي بشفتيه.. وضمني إليه بشدة كأنه يقول لي: لا تحزني أنا باقٍ معك.. أجلسني على الكرسي الذي كنت أجلس عليه.. وجلس هو أمامي على ركبتيه.. واضعًا يديه فوق ركبتي.. يمسك شعري يقبله.. يقربه إلى أنفه.. أشعر أنه يستنشق الهواء من خلاله.. ويضع يديه بداخل شعري.. أخذ يعبث بشعري.. يأتي به شمالاً.. يمينًا.. يأتي به كله أمام وجهي..ثم يبعده عن وجهي من المنتصف فيصح كستارة المسرح التي انفتحت عن الخشبة.. يرى وجهي فيبتسم.. فأبتسم لابتسامته.. أنتشي لمجرد رؤيتي لطابع الحسن على خديه.. يشعر بسعادتي فيضحك.. فأضحك.. يضع يديه على عيني.. كان دائمًا يحب أن يضع يديه على عيني.. يقرب يده من شفتيه يقبلها.. ثم يضعها علي عيني.. كأنما يقبل عيني.. أخذ يدي اليمني قبَّلَ أصابعي.. إصبعًا إصبعًا.. وترك قبلة دافئة داخل كفي.. أخذ يدي اليسري قبَّلَ أصابعي.. إصبعًا إصبعًا.. وترك قبله دافئة داخل كفي.. وضم يديَّ الاثنتين إلى بعضهما.. وقبلها بنهم..كأنه يشعر بالجوع ويريد الشبع.. وبعد القبل.. بدأ يعض كفي.. يضغط بأسنانه علي يدي..فأنظر أليه في ألم. فيكف..فأبتسم..فيضغط من جديد بأسنانه على يدي.. وأنظر إليه بألم.. فيكف.. فأبتسم.. فيطلق ضحكة عالية جدًّا.. كأنه نسر يضحك.. أو أسد يزأر.. لا أعرف كم مرَّ من الوقت وهو جالس أسفل قدميَّا.. أمَرَّت ساعات.. أم أيام.. أم سنوات.. يحاورني.. يداعبني.. يقبلني.. أحسست بالتعب والإرهاق ليس من وجودنا بقرب بعضنا البعض.. ولكن من الثبات في مكان واحد.. كان يحيط خصري بذراعيه وهو لا يزال جالسًا أمامي على ركبتيه.. واضعًا رأسه على قدميَّا.. وفجأة قام من جلسته اقترب من جبيني.. وابتلت جبهتي بلما شفتيه وطال الوقت وهو يضع شفتيه على جبهتي.. وبهدوء عاد مرة أخرى أمامي.. ووضع رأسه على قدميَّا.. محاوطاً خصري بذراعيه مخفيًا وجهه بداخلي ونام.. اقتربت منه أنا قبلته على رأسه في وسط شعره.. وبين كتفيه.. وأحسست به يضمني أكثر إليه.. كأنه يريد الاختباء بداخلي حتي لا نفترق أو نبتعد.. عرفت ساعتها كيف يكون حال الأم وهي حبلى..كيف تشعر بجنينها بداخلها.. يتحرك.. ينمو يكبر.. أحسسته جنيني.. ليته كان جنيني.. لما ولدته أبدًا.. على الرغم من كونه حبيبي وحلمي ورجلي وحياتي.. اطمأننت لكونه نام على قدميَّا فأيقنت داخل نفسي أننا لن ننفصل من جديد.. وأنه باقٍ.. بقاء الشمس في الكون.. وأسلمت نفسي للنوم كما نام هو.. وأنا أضع يدي على ظهره حتى أشعر به إذا تحرك.. ونمت.. رحت في سبات عميق.. شعرت بمن يوقظني.. يناديني باسمي.. يضع يده على كتفي.. إنه هو يوقظني من النوم لأنعم بدفء حبه من جديد.. ولكن لمسته مختلفة.. لا إنها ليست يديه التي على كتفي.. فتحت عيني في بطء.. أنا لا أضع يدي على ظهره كما كنت.. وجهت نظري إلى اليد التي توقظني.. رأيت صديقتي تقف أمامي.. مبتسمة قائلة: هل غفوت أثناء ذهابي لاختيار الطعام..؟
ابتسمت لها قائلة: لقد كنت تسأليني إذا كنت أشتاق إلى حبيبي أم لا..؟ أنا لست أشتاق فقط.. أنا أعيش من أجل أن أنعم باشتياقي له..

سكينة في جنبي

سكينة في جنبي
معايا ريال..معايا ريال..دا مبلغ عال ومش بطال..نروح في الحال علي البقال..معايا ريال..معايا..ريال..كانت هذه الأغنية هي التي أدندن بها وأنا متجهه الي السوبر ماركت الشهير في أحد ميادين المهندسين..يوم السبت والساعة الثانية عشر ظهرا..وفي عز النهار..وفي عز الظهر..
ودخلت السوبر ماركت أشتري وأتبضع..فالمرتب لازال بحاله وطلبات البيت لا تنتهي..وأشتريت من هذا ومن ذلك..وبرغم أرتفاع الأسعار..بصورة جنونية..إلا أني حاولت أن أنتقي ما تحبه أمي من أغراض..وما يفضله أخواتي من أطعمه..وذلك مساهمة مني في مصروف البيت.. بما أنني فتاة عاملة..تحتم علي المسئولية المشاركة بأبسط الأشياء حتي لو كانت قدر بسيط..فيكفي أن عائلتي..ربتني وعلمتني..وجعلت مني إنسانة تعي كلمة مسئولية..
ووقفت أمام الكاشير..وقالي لي الحساب يا هانم..كذا.. ينهار أسود ومنيل..أنا عارفة أن الأسعار غليت بس مش أوي كدا..أنا لسه جايبه نفس الحاجات دي الشهر اللي فات.. كانت بنص الثمن تقريباً..وسرحت مع خيالي في وجه الكاشير وكنت أنظر اليه..نظره بلهاء..فلم أعرف ماذا أقول..أوماذا أفعل..غير أنه ضل يردد علي مسامعي الحساب يا هانم..الحساب يا هانم..
وفي سرى قلت هانم ايه بس..طب أنا قادرة أدفع..فيه غيري مش هيقدر يدفع..طب هيعمل ايه..المهم ممدت يدي الي حقيبتي..وظهرت النقود من الحقيقة داخل الظرف..اللي فيه المرتب..كأنها بتطلع لسانها ليا..وبتقول(معاها ريال..معاها ريال)..
ودفعت النقود..وخرجت من السوبر ماركت في حالة ذهول أحمل أربع حقائب تعج بالاطعمة..ووضعتها علي الأرض..في إنتظار أن يقبل بي أي تاكسي ويوصلني للبيت..
في تلك الأثناء أقترب مني شاب وأثناء إقترابه ظننت إنه سيطلب مني..(اي حاجة لله) نظراً للظروف الأقتصادية المررررررررريعة التي تمر بيها بلدي حاليا..ولكن إقترابه إزداد مني حتي أحسست بشئ حاد يكاد يغوص في أحشائي..ونظرت اليه وكان هو ينظر الي..نظره بها ضعف وقوة..وألم..وسخط..وكره..وعذر..نظرة تحمل كل معاني الوجود من إحتياج وقهر..وغضب..ويالها من نظرة..جعلتني أتنفض..لم أتنفض فقط من إحتاك الشي الحاد بجسدي..الذي فطنت بعد ذلك لكونه ( مطواه او سكين )..
ونطق الشاب وشفتاه زرقاء..كأنه أول مرة يفعل ذلك.. وهو في شدة الخوف أكثر مني..( سيبي الشنط في هدوء ومن غير نفس..وأمشي..ومتبصيش وراكي..لو مش عايزة تتعوري..)..قمت بهز رأسي..وتركت الشنط علي الارض وبجد مشيت مبصتش ورايا..ولا حتي لفته..بس كل اللي عرفت أعمله أني فضلت أعيط..وفضلت أعيط طول الطريق لدرجة أني روحت مشي..مقدرتش أعمل أي حاجة..بس أنا مش كنت بعيط علشان مكان السكنية..علم في جنبي...
أنا عيطت علشان كان نفسي أقوله طب عايز فلوس..محتاج حاجة تانية..أقدر أساعدك بحاجة..

طالعة الدور الكام

قد تكون حالة الخنقة التي أعيش بها ليست إلا مولود طبيعي للسيدة الفاضلة الوحدة..التي تجعل الخيالات في بعض الاحيان أصدق من الواقع الذي أعيشه..
أنت يا هذا أنتظرني..لا تغلق الباب..أني قادمة..وكنت أهرول..وأنا أقول هذه الجمل متجه الي المصعد في العمارة الي بها طبيب أسناني فقلد تأخرت علي موعد الطبيب كعادتي أصل دائما متأخرة علي المواعيد..وانتظرني الشخص.. وركبت معه المصعد..وكنت أنا وهو في المصعد بمفردنا..فلم أفطن الي ملامحه جيدا..ولكن إنتابني شعور أنه وسيم.. وسمعته يهمس بالقرب من أذني..( طالعة الدور الكام ).. فلقد كان وجهي للباب وظهري لذلك الوسيم..وفي رقة منتناهية لم أعهدها في نفسي قلت ( الدور العاشر )..
ولما كان عطره يملا أركان المصعد..جعل بداخلي رغبه في الاقتراب منه أكتر..لاعرف هل شذا عطره هو السبب.. فهو حقا مريح للأعصاب..بدا مفعوله معي كأنه مفعول ( البنج عند الدكتور)..وظل الصمت يسود الأدوار التي نصعدها..ولكني أحسست به يقترب مني أكثر..وأتفض جسدي..ولكني لم أتحرك من مكاني..وأحسست بيده توضع علي أطراف شعري..برقة..وأحسست به ينفس من خلال عبير شعري..وأيضا لم أتحرك..كاني أطلب منه الأقتراب أكتر..أو كأني أقول له أنا (بنت من إياهم)..ولكن رغبتي في القرب منه كانت أكبر من أي حدود قد توضع بين البشر..وأخذت أتسال لما أنا في هذه الحالة من السكينة أهو عطره..أم لان صوته كان ( فشر عبد الحليم وهو بيسالني طالعة الدور الكام ) ودار بيننا حوار..عن الحياة والحب..والدين..تحدثنا في كل الامور..كل هذا وأنا وجهي بإتجاه الباب..
حتي جاء الدور العاشر..وكان يجب أن أنصرف..فقال (خليكي معايا شوية أنا طالع 12 )
قلت ( موعد الدكتور )
هو ( أبقي إنزلي تاني )
أنا ( طيب أنت رايح فين في الدور 12 )
قال ( مش عارف )
قلت (سعيدة بمعرفتك أنت أسمك إيه )
قال ( مش مهم الأسامي..مهم الأحساس )
قلت ( أنت غريب أوي )
وساد الصمت من جديد..وجاء الدور الاثني عشر..وأحسست به يحتضني بقوة ( زي أفلام السيما ) قائلا ( هتوحشيني )..
وإحتضنته أنا بكل أحاسيسي..وفتحت باب المصعد..وإنتظرت خروجه خلفي..لاني سأقول له عند خروجه..أني عشقتك في هذه الثواني القليلة..وإنك فارس أحلامي..وأنها صدفة خير من الف ميعاد..وأن حديثك حلو عذب يسحر الفواد..وأفكارك طالما حلمت بها..حتي لمستك هي التي في خيالي..وبرغم أن الوقت الفعلي لحوارنا لم يتعدي الثوان..إلا أننا تحدثنا ما يقرب من ساعات يومان..وظللت أرتب أفكاري وما سأقوله له بمجرد رؤيتي له..ولكنه لم يظهر دقيقة إثنان..فتجهت الي الباب وفتحه فلم أجد أحد..فذعرت فالمصعد لا زال في مكانه لم يتحرك..حتي إنه لم ينزل دور واحد..أين ذهب ذلك الوسيم..فركبت المصعد ونزلت الي الدور السفلي واتجهت الي عامل الأمن الذي يقف عند المدخل..وسالته هل نزل من المعصد قبلي بثواني ذلك الشخص اللي كان معي في المصعد الذي طلبت منه ان ينتظرني إثناء صعودي..كان ذلك منذ دقائق..
نظر الي في دهشة قائلا ( حضرتك ركبتي لوحدك مكنش معاكي حد).

اشتيـــــــاق

في لحظة غفوت من شدة التعب.. استسلمت للنوم.. ورحت في سبات عميق.. وفجأة صحوت على صوت صراخ يملأ كل الأرجاء.. ومن شدته حسبتني أنا من أصرخ.. صراخ.. لا.. بل عواء.. نعم.. إنه بكاء وصل إلى حد العواء.. فزعت وأخذت أركض وأركض.. ولكن إلى أين؟ فالدنيا كلها حولي مظلمة.. لا أبصر أمامي طريقًا واحدًا.. أمشي به لا هدف.. فأنا لا أبصر.. لعلَّ هذا هو السبب.. لقد أُصِبْتُ بالعمى.. نعم أنا لا أبصر.. لا.. فأنا أبصر جيدا.. فأنا أدرك جيدا لون ردائي.. إنه أيضا أسود.. لا هذا كثير.. هذا مُقبض.. أين أنا..؟ لا أعرف.. أين أهلي.. أين غرفتي.. لا يوجد حولي سوى ذلك اللون الأسود.. أخذت أركض.. ولم أصل إلى أي مكان.. إنه طريق أسود.. أخذت أحاول فتح الأبواب..لم أصل إلى شيء لا توجد أبواب.. وتعبت من كثرة الركض.. واستسلمت للجلوس على الأرض السوداء.. وأسندت رأسي على الحائط الأسود.. وأخذت أبكي.. أبكي.. أبكي.. ولم أجد أحدًا من المارة يلتفت لي.. ولكن أين هم المارة.. فلم أبصر أحدًا حولي.. حتى ظلي.. لم أبصره.. واستعدت قدرتي على الحركة.. إلى متى سوف أظل في هذا المكان الغريب..؟ لا أحد حولي.. لا أماكن.. لا إنارة.. وأخذت أعدو من جديد.. فأبصرت من بعديد ضوءًا.. كأنه قنديل أو ما شابه.. أركض نحوه.. ولما اقتربت ابتعد.. وأقترب.. ويبتعد.. وأقترب من جديد.. أكاد أدنو منه.. يبتعد.. وتكاد يدايا أن تلمسه.. يبتعد.. أدركت أخيرا أنه لا وجود للقنديل.. لا وجود للأمل إلا في مخيلتي.. ولم أستطع التحمل أكثر وانخرطت في بكاء عارم.. حتى أن وجنتي مزقتا من شدة حرارة دموعي.. وأصبحت تائهة بين دموعي ودمي..لا أعرف أيهما يولمني أكثر..أيهما يسيل أكتر..أخذت أنادى علي كل من أعرف..أمي..أخوتي..أصدقائي..حتى أبي.. ناديته.. أبي.. أين أنت.. أجبني.. أحتاج إليك.. أبى.. أبى.. لا رد.. لا إجابة.. لم أكن أسمع سوى صدى صوتي.. ولاحت لي من بعيد صور بعض الأشخاص.. هم كل من أحب.. وأخيرًا وجدت الصحبة في هذا المكان الموحش.. لكنهم لا يتحركون.. لا يتجهون نحوي.. أتجه إلى أمي فأجدها تختفي في ثوان.. أخوتي.. أصدقائي..كل من أعرف يظهر ثم يختفي.. إنهم أشباح.. نعم أشباح.. لقد مت.. أخيراً وصلت إلى شيء.. لقد مت.. هذه هي الحياة الأخرى.. أهذا هو الموت..؟ أهكذا يكون..؟ ولكني لم أكن بهذا السوء.. حتى تسود آخرتي بهذا الشكل..؟! على أي حال لقد ارتحت.. المهم أنى وصلت إلى معرفة مكاني.. أسلمت نفسي لغفوة جديدة.. وعندما صحوت وجدت نفسي في ذات المكان.. لا.. لا.. الموتي تتغير أماكنهم؟؟ يذهبون إلى أماكن مختلفة.. لا يظلون في ذات المكان.. لا.. أنا لم أمت.. جُنَّ جنوني.. أين أنا.. أين أنا.. أين أنا..؟ وسادت فترة صمت بيني وبين نفسي.. هدوء.. وظلام.. حتى أنى توقفت عن التنفس..لم أسمع حتى صوت أنفاسي.. هدوء مميت.. قاتل.. هدوء.. فقط.. ولم أدرك كم من الوقت مكثت.. ساعات.. أيام.. أسابيع.. وأنا على ذات الوضع.. ومن جديد بكاء.. فأنا لا أملك سوى البكاء.. وفجأة سمعت صوت رنين جرس الهاتف.. توقفت عن البكاء.. وانتبهت إلى مصدر الصوت.. أدركت مكان الهاتف.. اتجهت إليه مسرعة.. مسرعة جدًّا.. رفعت السماعة بلهفة لعلي أجد مخرجًا مما أنا فيه.. وإذا بصوتك يتخلل كل كياني.. فتنير الدنيا.. وأجد نفسي بسريري كما كنت.. أمام نافذتي يدخل منها نسيم عطرك.. يتخللنى صوتك.. يهدأ من روعي.. وأرى ألوان قوس قزح.. وأسمع ضحكات الأطفال من حولي.. وأرى نظرة الحب في عين كل من أعرف تجاهي.. وأستنشق عبير الربيع في وعدك بالحضور لرؤيتي.. وأعود إلى سكنايا بداخلك.. وأتساءل.. يا ترى أين كنت أنا منذ لحظات..؟! يجاوب قلبي: لقد كنت في ظلمة طوال فترة غيابك عني.

الناموسة الذكية

في وسط حالة الخنقة التي تدرو حولي.. انتابت أمي فكرة أرقت ليالي نومي.. ولكني كنت السبب في هذه الفكرة.. ففي أحد الأيام.. وبما أن أمي تقضي وقتاً طويلاً بمفردها حتي عودتي من عملي..كان الصداع يزأر في رأسي..كأسد جائع.. وكم كنت أحتاج إلى النوم.. وأمي ترغب في أن تقص عليَّ أخبار ابنة خالتي وزوجها.. وأنا أتحدث من خلال النوم إليها.. وظلت أمي تتحدث.. حتى وَجَدْتُنِي سوف أكذب عليها كذبة قد تشغلها عني..فأمي تهوي البحث والقراءة..
ولا أعرف من أين طرأت لي فكرة هذه الكذبة..؟ وقلت: (تصدقي يا ماما بيقولوا إن الناموس لما بيمص دم الانسان ويقرصه.. ساعات ممكن يكتسب من صفات الإنسان ويأخذ من جيناته.. عارفة يعني إيه يا أمي يعني الناموسة ممكن تبقي ذكية)..
نظرت إليَّ أمي نظرة غريبة كأنها غير مصدقة طبعا لما أقول (إذا كنت أنا نفسي عارفة أني بكذب ومعرفش إذا كان فيه أساس من الصحة للي أنا بقوله ده ولا لا) وطلبت مني أمي النوم لأنه يبدو عليَّ الإرهاق..
ومن ساعتها وأنا أعيش في هوس قصة الناموسة الذكية.. وفي يوم آخر تجلس العائلة كلها سويًّا على العشاء (في أمان الله) فأتت حشرة غريبة لا أعرف ما هي قد تكون ناموسة وتقرص أمي في قدمها..
فتقول لي أمي: (شفتي الناموسة نزلت تحت الترابيزة تستخبي علشان تعرف تقرص من غير ماحد يحس بيها.. ولا يشوفها.. الناموس زمان كان بيقف على الحيطة ونشوفه ونموته.. بس دلوقتي بقى ذكي.. بيستخبى تحت الكراسي.. كنا بنصطاده.. دلوقتي بقى هُوَّه اللي بيصطادنا) .

مع كل تحياتي للناموس الذكي..

رغيف عيش

يا ماما.. يا ماما.. بسرعة الفطار الله يخليكي عشان أنا كده هتأخر على الشغل.. ماما.. أنت سمعاني..
إيه بس الخنقة اللي عالصبح دي..؟
كان هذا هو الحوار الذي دار بيني وبين أمي الساعة السابعة والنصف صباحا.. أنا في غرفتي أرتدي ملابسي.. وهي في المطبخ.. أطلب منها إعداد الإفطار.. حتى يتسنى لي الذهاب إلى عملي.. فراتبي لا يتحمل أن يخصم منه أي شيء مقابل التأخير..
ولكن لم ترد عليَّ أمي.. مما اضطرني إلى الذهاب إلى المطبخ.. لتفقد ما الذي يحدث.. كانت ماما.. تعد لي كوب الشاي بالحليب.. فمن المحال أن أبدأ يومي دون هذا الكوب.. وأعطتني أمي كوب الشاي واتجهت لغرفتها كي تكمل نومها.. فناديتها.. ماما.. ماما.. فين سندوتش الجبنة بتاعي...
أجابتني.. معلش يا وطن (أصل أمي ساعات بتحب تدلعني وتقولي وطن..مش عارفة العلاقة بس أهه).. مفيش عيش...
قلت: نعم..؟! يعني إيه مفيش عيش.. هوه فيه بيت في الدنيا مفهوش عيش..؟
ماما: كان فيه وخلص.. شوفي بقى هتعملي إيه.. انزلي اشتري عيش..
وتركتني أمي وانصرفت..
(أشتري عيش..؟) ودوَّت كلامات أمي في رأسي ..من أين أشتري هذا العيش.. الساعة الآن السابعة والنصف.. فأين سأجد سوبر ماركت مفتوحًا الآن.. ولكن لا بد أن أتمم إفطاري.. فأنا لا أستطيع أن أتعامل مع البشر بمعدة خاوية..
وأخذت القرار.. سوف أبحث عن الخبز بأي طريقة.. مهما كلفني الأمر سأجد رغيف العيش.. من حقي أن أبحث عن رغيف العيش..
من حقي أن أتناول سندوتش الجبنة مع كوباية الشاي .. من حقي..
ونزلت من البيت أبحث عن بقال.. أو حتى سوبر ماركت أو أي شيء يبيع ذلك الرغيف..
ولكن لا حياة لمن تنادي.. لم أجد أي شيء.. و أثناء بحثي المستميت.. وجدت طابورًا طويلاً جدًّا.. في آخر الحارة.. ولكن من العجيب وجود طابور في حارتنا.. أخذت أتساءل.. ياترى هل افتتحت إحدى السفارات العربية فرع لها في حارتنا لتوظيف شبابنا في تلك البلدان.. أم أن إحدى الشركات الكبرى نشرت إعلانًا في الجريدة القومية تطلب موظفين.. وهذا هو المنفذ الوحيد لتقديم الطلبات.. فهناك عشرات وعشرات في هذا الطابور.. ولكن الغريب أن معظم المتقدمين للوظيفة أو حتى طالبين السفر من النساء..
أخذت أقترب شيئًا فشيئًا من الطابور.. أمشي بجواره فهو كطابور النمل الذي يحمل طعامه إلى مخبئه.. طابور به كل أعمار النساء.. فمنهن من ترتدي المريلة الكحلي.. ومنهن من تحمل بعض الكتب.. وأخرى بالجلابية الشعبية البسيطة.. و أخريات انحنت ظهورهن أمام سنوات الفقر والحرمان..
و أخيرًا وصلت لبداية الطابور.. وكانت به سيدة.. قد تعرف سنوات عمرها إذا قمت بعدد تلك الخطوط التي في وجها.. سيدة لا يفارق السواد ملابسها.. من بداية ساتر شعرها.. حتى ذلك الجلباب المتهالك.. وأيضا الحذاء البسيط.. فاقتربت منها و سألتها..
هوه فيه إيه يا حاجة؟ فأجابتني في أسًى.. والله يا بنتي ما أنا عارفة احنا واقفين هنا من الساعة 5 الصبح مستنيين الخبيز.. ولسه مفيش رغيف عيش طلع.. أصل الرغيف بقى عامل زي المهلبية..
فتحت عينيَّا عن أخرهما.. ويكاد يكون فكي وصل الي ركبتي من الدهشة.. أنا أقف في فرن.. فرن العيش..كل هذا الطابور في من أجل رغيف العيش.. لماذا.. ماذا يحدث.. لِمَ كل ذلك..؟! لا أعرف..كنت على وشك الانهيار.. فماذا أفعل الآن..؟ لا وقت لأقف في هذا الطابور.. لو فعلت سيخصم راتب الشهر بأكمله.. بل قد يصل الأمر إلى راتب الشهر المقبل وأنا أقف في هذا الطابور..
و تساءلت في نفسي: هل أصبح من الصعب حتى على الإنسان الفقير.. البسيط.. الحصول على رغيف عيش..؟ هل يجب علي مواطن بلدي أن يقف ساعات وساعات للحصول على الرغيف بالسعر الذي يقدر عليه..؟! ولِمَ وصل رغيف العيش لذلك الأمر..؟
يمكن علشان إحنا شعب بيحب يأكل كتير.. دا إحنا حتى ساعات بنأكل الرغيف حاف.. علشان مش لقيين الغموس..
أكيد لشدة إقبال الشعب على الرغيف أصبح عملة نادرة.. يجب أن يقف في الطابور لساعات منذ بداية أذان الفجر.. وقبل أن تشرق الشمس للحصول عليه.. أو قد يكون السبب قلة الأفران التي تخبر العيش.. أو أن هذه الأفران تبيع العيش بالسعر الذي يقدر علي شرائه البسطاء.. أصل الدقيق عليه دعم.. يارب ما يلغو الدعم..
وسط كثرة الأفكار.. نظرت في الساعة وجدتها الساعة التاسعة إلاَّ ربع.. فاسودت الدنيا في وجهي أكثر.. لقد تأخرت على العمل.. يجب أن أكون على مكتبي الساعة التاسعة تمامًا.. أخذت أهرول داخل نفسي.. لكي أسابق الدقائق.. فأمامي طابور أخر طويل وهو طابور المواصلات.. يكفي ما أصابني اليوم من رغيف العيش..

بيب..بيب..مصري

مبروك أيها الشعب.. الباكي الضحوك.. مبروك لأنك فرحان من كل قلبك ومبسوط ومزقطت..
مبروك لأنك رفعت العلم.. والعلم رفرف.. والعلم على فكرة رمز للشعب والأرض والتراب مش للحكومة..
مبروك لأنك برغم إن فيه ناس كتير مش مقدرة ومسميين الفرحة دي تفاهمة ودماغ فاضية..
فرحان..
مبروك لأننا فرشنا الأرض بفرحتنا واتحادنا.. ولمتنا مع بعض.. مسلمين ومسحين..
مبروك لمصر التراب والأرض والشعب.. لأنها حست إن كل أخواتها العرب فرحانين ليها.. واقفين جنبها.. وكمان دافعين ملايين من جيوبهم لمنتخبنا..
مبروك لأنك يا منتخبنا جبتلنا الكأس.. وعلشان ربنا معانا.. جبنا الكأس من غانا.. زي ما كل الشعب قال وعلَّى صوته في شوارعك وميادينك يا بلدي..
أي نعم إحنا ماجبناش الديب من ديلة.. بس على الأقل منتخبنا فرح الناس المطحونين.. الغلبانين.. اللي مش لاقيين حق لقمة العيش.. اللي وهمه قاعدين على القهوة يمكن مش لاقيين ثمن كوباية الشاي ويمكن حد من جيرانه يدفعها له.. بيتفرجوا على الفرح بتاعنا اللي كان عرسانه (حسن شحاته.. وأبو تريكة.. وأحمد حسن.. وزيدان.. وعمرو زكي.. ومتعب.. وإبراهيم سعيد.. وكل الأسماء اللي رجليها خطت الملعب أو مخطيتهاش).. قاعدين مركزين ومبوسطين..
مبروك لأن العيال الصغيرة.. خرجت تدق على الطبول وتقول: مصر.. مصر.. مصر.. يمكن ده يعلمهم الانتماء والوطنية اللي أكيد مبيسمعوش عنها في المدارس.. وتكاد تكون كمان انتهت من البيوت.. الناس فرحت ياللي مش عايزنا نفرح ومستكترين علينا الفرحة إحنا المصريين.. باسم السياسة والأرض والحدود والاقتصاد وارتفاع الأسعار.. واتجاه التعليم ليصبح أمية.. وكتر الحرمية.. وغلو الكهرباء والميه..
مبروك لِيَّا أنا بنت الحي الشعبي.. اللي اتغربت سنين وعشت برا ترابك يا بلدي.. سنين.. مبروك لِيَّا لأني مصرية عندي دم مصري بيجري في عروقي.. مبروك لِيَّا لأني يا بلدي هندفن في ترابك.. مبروك لينا إحنا الشعب لأننا بنحبك.. برغم كل سلبيات الوطن وعراقيل التطور.. وانتفاع المنتفعين..
مبروك لينا يا شعب.. يا مطحون.. الفرحة.. اللي فرحناها لو حتى على التلفزيون.. يمكن متكنش حقيقة.. ويمكن تكون مُسَكِّن مؤقت لأزمات كتيرة زي الإسكان والبطالة والعشوائيات.. والكلام الكبير ده اللي يمكن ميكنش وقته دلوقتي..
مبروك يا شعبي الباكي الضحوك.. لأنك في وسط ما أنت تبكي دموع يمكن يكون أغلبها دم.. علشان أنت وحيد مش لاقي ثمن الدوا في حتت كتير.. مش لاقي ثمن رغيف العيش اللي قرب يوصل لخميسن قرش.. وساعات كتير بتكاله حاف.. لأن مبقاش فيه حاجة اسمها بخمسين قرش فول.. قادر تضحك وتبتسم وتفرح.. وتدعي لبلدك اللي ساعات بتيجي عليك.. وبدأت تعمل زي القطة اللي بتاكل في عيالها..
لأنك يا شعب قادر تفرح وتجري وتشيل العلم.. وتخليه يرفرف.. وعقبال ما يرفرف.. واحنا منتصرين في مجالات تانية كتير.. ومعندناش بطالة ولا عندنا فقر.. ولا مرض.. ولا أمية.. ولا خد وهات من تحت الترابيزة.. ولا ناس بتسرق وتسافر.. ولا حرامية كده عيني عينك.. مبروك لينا يا شعبنا انتصار منتخبنا.. مبروك يا شعبي الباكي الضحوك..
كل الكلام اللي فات أنا قلته من قلبي ساعة ما كسبنا البطولة الافريقة بتاعة 2008.. لمَّا واحدة صاحبتي مش مصرية اتهمتنا إن إحنا شعب هايف.. شعب مش لاقي حاجة يعملها.. فوجعني الكلام وحبيت أرد عليها بالكلمتين دول...
لأن كلامها عن هيافة شعب بحاله خلاني مخنوقة آخر خنقة..

الحكمة

في كثر الخنقة اللي الواحد عايش فيها.. ممكن حاجات منه تضيع.. تتدمر.. من كتر الزهق.. والقرف.. والملل.. بس لو كل واحد فينا بص للحكمة من فترة الزهق اللي هو عايش فيها هيوصل لنتيجة هايلة.. بس يا تري إيه الحكمة من اللي أنا عايشه فيه.. الحكمة عندى ليها معاني كتير.. الحكمة هي حاجة بتخلينا نروح للنور الموجود في حياتنا.. النقطة البيضا.. الدايرة النظيفة اللي جوا كل إنسان.. الطهارة اللي ممكن تحصل بالصلاة.. بالوضوء.. بدخولك مكان عبادتك.. الحكمة إنك تحب الناس.. وتتمنى ليهم الخير.. إنك تزعل لزعلهم .. وتفرح لفرحهم..
الحكمة إنك لو ابن أو بنت تكون جوا عيون أهلك ضي ليهم.. شمعة في عز ليل شقاهم الأسود.. ضحكة وسط أيامهم الحزينة.. وتعاملهم بكل رقة ولين لأنه كما تدين تدان.. فالديان لا يموت.. والنهاردة عند غيرك.. بكرة تبقى عندك..
الحكمة أنك متقساش عليهم.. علشان همه بيحبوك.. وأنت نور عنيهم..
الحكمة إنك لو أب.. تكون دافي.. حنين.. صبور تستحمل وجع ليالي الشقا علشان ولادك...
الحكمة إنك لو أم.. تكون نظرة ولادك ليكي بالدنيا وما فيها.. أهم من المال.. والرجال..
الحكمة إنك لو زوجة.. يكون حبيبك هو سر وجودك.. فرحة أيامك.. غنوه شبابك.. علشان لما تكبري ويكون عندك ستين سنة.. تلاقي حد تتسندي عليه بمنتهى الحب.. بدل العكاز الخشب..
الحكمة إنك لو زوج.. تكون شمس ما ليها نهاية.. تنور.. تدفي.. تطمن.. حضن حبيبتك.. تحسسها بالأمان.. من غير حساب.. تديها أمل في بكرة.. إنه أكيد هيكون أحسن طول ما إيدك في أيدها..
الحكمة إنك لو أخت.. تبقي حمامة سلام.. يكون الحب كلامك.. والحنية أنفاسك.. وتكوني أم.. لو الأم راحت.. وتكوني بسمة على شفايف الأخوات لو البسمة راحت..
الحكمة إنك لو أخ.. تكون ظهر.. سند.. وتكون الراجل اللي الكل يقدر يتكل عليه.. من غير ما نفكر قبل ما احتاج له.. يا ترى هيسيب الدنيا ويجيلنا ولا لأ..؟ لأن اللي ملوهش خير في أهله مالوش خير في حد..
الحكمة.. إنك لو موظف.. تراعي ربنا.. علشان يبارك.. ضميرك يكون سابق جيبك.. إخلاصك سابق احتياجك.. أملك في البركة و الحلال أكبر من كل حاجة.. أكبر من ظروف الغلا اللي انت عايش فيها..
أكبر من الظروف اللي ممكن تخليك تقول: وأنا مالي.. تعبان النهاردة ما ليش مزاج أروح الشغل.. وفيها إيه أما آخد هدية.. دا حتى النبي قَبَل الهدية.. وأنت عارف إنك بتاخد رشوة مهما حاولت تِغَيَّر اسمها..
الحكمة إنك لو صاحب مكان.. بتوظف فيه ناس.. تكون حريص على وصية نبينا r (أعطِ الأجير أجره قبل أن يجف عرقه).
الحكمة..إنك لو بتحب.. وبتحب بجد.. متخنش.. متجرحش.. ولو خلاص الحب راح أو انتهى أو أتغير تقول وتواجه.. ومتعيِّش الناس في وهم الحب المستمر.. وهو أصلا راح..
الحكمة.. إنك لو دكتور.. تعالج المريض.. وبلاش تمصلح عليه كأنك جزار بتقطع في العيان رايح جاي.. يبقى العيان مرمي في غرفة العمليات وأنت واقف بتتفق هتاخذ كام.. وتبقى فشر جزارين الكلاب والقطط..
الحكمة.. إنك لو ضابط.. مَتْعِشِّ الدور على الناس.. لأنك في خدمة الناس.. مش الناس اللي في خدمتك.. الشرطة في خدمة الشعب.. مش الشعب في خدمة الشرطة..
والأصح الاثنين في خدمة الوطن.. دا لو فيه وطن أصلا..
الحكمة.. إنك تحب وطنك.. بكل عيوبه.. وهمومه.. وتعيش جواه مهما كان قاسي عليك.. وتفديه بروحك.. يكون عندك انتماء.. وتعلمه لولادك.. علشان يكونوا منتمين ليك الأول علشان يعرفوا ينتموا للوطن بعد كدا..

بس الحكمة عندي ليها معني تاني خالص..لأن لكل حرف معني.. أحرفها معناها في رأيي
الألف (اشتاق اليك )
اللام( لوعة في فراقك )
الحاء ( حنين اليك يقتلني )
الكاف (كفاك ابتعاد )
الميم ( منتهي السعادة قربك)
التاء ( تائهة بدونك )

عتبة الثلاثين


جرس يدق بجواري ليوقظني من نومي كي أبدأ نهاري.. ولكنه لا يدق بجواري ليوقظني إنما يدق داخل رأسي.. أنتبه إلى ما يجري بجواري أنظر في ذلك (المنبه) الساعة الثامنة والنصف.. يا إلهي لقد بدأت اليوم متأخرة سأتأخر على عملي من جديد.. أركض داخل ملابسي.. وفي ثوان معدودة أكون واقفة أمام ما يدعى بمحطة الميكروباص.. حر غريب بدأ الشتاء يلملم أوراقه من على طاولة العام مستعدًّا للانصراف.
لا أجد ما يقلني إلى عملي سوى ذلك الميكروباص الذي يصر سائقه على ملئه عن آخره بالبشر.. فتتلامس أجساد البنات بالرجال بالعواجيز بالأطفال ملحمة بشرية تفوح منها رائحة الفقر والعجز والمذلة وهوان البشر بعضهم على بعض.. فالراكب المسكين يصارع بضراوة ليستقل ذلك الشئ ذاهبًا لعمله فهو لا يقدر أن يبذر جنيهات عدة تصل إلى الخمس أو الست في ما يُسَمَّى بسيارة الأجرة (التاكسي) فهو لا يقدر أن يدفع أكثر من نصف جنيه أجرة الركوب في هذه الفرن البشري المتحرك الذي يتصارع فيه البشر كما تصارع السفن الأمواج لتبقى في البحر.. والسائق أيضا قد يكون في بعض الأحوال مسكينًا هو الآخر.. فثمن مثل هذا الشيء يصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات ومعظم السائقين اشتروه بالتقسيط فهو ملزم بدفع مبلغ مالي معين كل شهر وإلاَّ تراكمت عليه الفوائد والدَّين ويصبح ثمن ذلك الشيء الضِّعْفين إن لم يكن ثلاثة أضعاف المبلغ الأصلي..
وبما أن عملي في طريق في الجامعة فمعظم الركاب من الطلبة الصغار.. طلبة الجامعة تلك الأزهارالصغيرة التي لا زالت في طور النمو.. أقف مكاني أنظر إلى الساعة.. إنها التاسعة لقد تأخرت لا محالة.. أنظر إلى وجوه الناس المكسوة بطبقة من العبوس.. والوجم.. والحزن.. على الرغم أننا في بداية اليوم..
أملي في الحصول على ذلك الميكروباص ضعيف جدًّا فهو دائما مزدحم ولا يوجد مكان حتى لكي تضع قدمًا واحدة.. الازدحام وحده كفيل بأن يجعل شرطة الآداب تحرر آلاف المحاضر في سيارة واحدة.. فما بال باقي المواصلات في هذا الوقت من اليوم.. من الأتوبيسات.. والأتوبيسات المكيفة والمترو.. والقطارات.. وجميع أنواع المواصلات في كافة أنحاء الوطن..
وأقف وأعاود التأمل فأنا لا أستطيع التحرك من مكاني.. وأستمر في الوقوف بلا حراك.. وألحظ أن هناك فتاة تبتسم لي.. فأرد الابتسامة لها بابتسامة صفراء خالية من الحياة.. مما جعلها تتقدم نحوي بابتسامة أعرض من سابقتها.. وتسأل هُوَّه مفيش حاجة من هنا بتروج الجامعة..؟ وبدأ الحوار وصالت وجالت في رأسي مئات المرات بل ألوف المرات.. لعن الله هذه الابتسامة الصفراء.. فلولاها ما حطت بفمها على رأسي.. وما أن لاح لي من بعيد شكل ذلك الشيء يتهادي.. وكراسيه ناصعة البياض لا تظهر فيها خيالات أي رؤوس.. حتى أطلقت العنان لنفسي كي ألحق به وانتصرت وفزت بكرسي فارغ ووضعت يدي علي آخر بجواري لتلك الفتاة المبتسمة.. وصعدت وجلست بجواري ومرة أخرى أطبقت بفمها على رأسي وأخذت من جديد تصول وتجول داخل فصوص عقلي... ومواضيع شتى وقصص عنها وعن إخوتها والجامعة والدراسة.. وسألتني ماذا أدرس..؟ ومن أي كليه تخرجت..؟ وثرثرة مالها مثيل من ثرثرة.. ولكي أريح نفسي أغمضت عيني ولكنها كانت مفتوحة.. أجبرت نفسي علي رؤية الظلمة.. ورحت في سبات عميق وهي جواري لازلت تثرثر.. وفجأة كأنَّ زلزالا أو بركانا هزني وأفقت من غفوتي.. فهي تسأل عن عمري.. أين أخْتَفِي.. وبماذا أُجيب..؟ وكيف أهرب من هذا السؤال..؟ كيف أُوَاجِه هذه الحقيقة..؟ أخذت أنظر في عينيها البريئة.. فهي تركض نحو العشرين.. هل أصدمها.. فهي تعتقد أنَّنِي إحدى الزميلات في الجامعة.. قد أكبرها بعام أو اثنين.. هل أخبرها أني أكبر منها بعشر سنوات.. أنِّي أزحف إلى الثلاثين.. فخلال الأسبوع القادم أكمل الثلاثين.. هل أقول لها أني مر من عمري ثلاثون عاما..لم أتزوج فيها ولم أنجب.. ولم أجمع من المال الكثير ولم أحقق أيًّا من أحلامي.. هل أصدمها في البشر..؟! وأقول لها: إنهم قد يعجزون في كثير من الأحيان عن اتخاذ القرارات المصيرية في حياتهم ..كما عجزت أنا وضعفت وتركت حياتي لأمي تلهو بها.. هل أقول لها: إنى عشقت حتى الثمالة وفشلت في الحافظ على رَجُلِي.. هل أصف لها خيبتي وأنا لم أصبح أي شيء كما كنت أحلم.. أخذت أنظر إليها وهي تنتظر الإجابة.. فقالت: أنسيت كم عمرك..؟!
ها أنا كالبهاء أمام طفلة تخطو أول خطواتها نحو الشباب.. وأنا في أول خطواتي نحو الهرم.. الكل يقول في مجتمعي: إن الثلاثين هي بداية النهاية.. الكل ينظر إليه بعين الشفقة.. بعين الحسرة.. الفتاة التي لم يقترن اسمها بأي رجل دائمًا ما تبدو ناقصة غير مكتملة.. لِمَ..؟ لِمَ يجب أن يقترن اسمي برجل..؟ ألا أصلح بأن أكون أنا.. وأنا فقط.. لِمَ أنا ناقصة دون رجل.. إنى أرى السبب الوحيد الذي يقرنني بالرجل هو الحب.. وإن لم أحب لن أتزوج.. لِمَ أتحمل عبء هذا الكائن دون حب.. أخذت الأفكار تتضارب في رأسي.. اكذبي عليها لا تجاوبي.. قولي لها الحقيقة.. اتركيها وافلتي من هذا الشيء.. أفقت من بين أفكاري.. وأنا أصارع فكرة قول الحقيقة.. إنني أمام العمارة التي بها الشركة التي أعمل بها.. أطلق لساني لها كلمة.. أنا في الثلاثين من العمر.. ورأيت نظرة غريبة في عينها.. وتركتها وحاولت الاختفاء من أمامها وسط حشود الركاب الذين يتصارعون للنزول من باب هذا الشيء حاولت الاختفاء لكي ألحق بموعد عملي الذي تأخرت عليه ما يقرب من نصف الساعة ويالِ هذه النصف ساعة ويالِ النظرات التي سترمقني بنظرة عدم الرضا عن هذا التأخير.. وأخذت ألهث حتى وقفت أمام مبني الشركة.. وسألت نفسي هل قلتِ لها عن عمرك فعلا.. هل أفْشيتِ لها بسرك.. هل نفضتِ التراب عن سنوات عمرك البالي..
نعم لقد قلت الحقيقة أنا في الثلاثين.. دون رجل.. دون مملكة.. دون أي شيء مما تملكه الإناث في مثل سني.. ولكني قد أملك ما لا تملكه الإناث في مثل سني.. أملك الحلم والأمل بالغد.. أملك الحلم بكوب من الشراب الدافئ وكتاب بين يدي أغوص بين صفحاته على أنغام أمواج البحر في مكان بعيد.. قد يكون به بشر آخرون يفهمون قيمة تفكيري.. يقدرون رغبتي في الحب.. يرفعون من شأني كإنسان قبل أن أكون أنثى لا نفع منها.. ولا دور لها في الحياة.. سوي الرقود علي البيض ليفقس.. أملك الحلم بالرجل الذي أختاره أنا.. الذي لا تفرضه عليَّ أمي.. أو يفرضه عليَّ المجتمع لأني على أعتاب أن أحمل لقب تخشاه الكثيرات من الإناث.. أحلم وأتمني أن تضمني ذراعاه.. رجل أحبني أنا.. وأرادني أنا وحارب من أجلي أنا.. الرجل الذي أستند علي ساعده فأشعر بالأمان.. حبيبي أنا.. فرجلي أنا لا ينظر إلى الأنثى على أنها شاه تستحق الأكل.. بل إنسانة تهوى وتعشق تحس وتنتشي..
نعم أنا في الثلاثين وأفخر بكوني أنثى ناضجة.. امرأة.. سيدة تحمل بداخلها قلب طفلة.. لا أخاف أن أنطق الثلاثين... أنا فخورة بنفسي.. بجنسي.. بشخصيتي حتى لو بلغت الأربعين دون رجل.. انتبهت للسعادة التي أصبحت فيها بعد أن تركت تلك الصغيرة.. لقد جعلتني أحبُّ يومي.. أحب عمري.. عندما فكرت به.. مرحى لكِ يا سن الثلاثين.. هلمي إليَّ فأنا لا أخشاكي ..

مخنوقة

أتساءل لماذا يتحتم عليَّ الاستئذان عند القيام بأي عمل يخص حياتي.. كمية من الأذونات التي أحتاج إليها يوميًّا للقيام بأبسط حقوقي في الحياة.. وأبسط حقوقي هو الحياة نفسها..لم يجب عليَّ الاسنئذان كي أحيا..؟!
الاستئذان في البيت.. الاستئذان في العمل.. الاستئذان من الرجل الموجود في حياتي.. الاستئذان من الطبيب.. الاستئذان من الضابط.. الاستئذان من السايس.. الاستئذان من كل الأشخاص الموجودين حولي.. ولكن الشخص الوحيد الذي لا أطلب منه الإذن لعمل شيء ما هو أنا..
وأتساءل لماذا لا أستطيع أن أقود سفينة حياتي دون الرجوع الي أي شخص آخر غيري..؟! لِمَ يجب دائما أن أخوض معارك كلامية حتى أصل إلى أبسط حقوقي في الحياة وهو التصرف في حياتي كما يحلو لي..
فمثلا في العمل.. يجب أن أستئذن من مديري في حالة رغبتي في الانصراف في موعد الانصراف.. لماذا يجب أن أبلغه دائما أني سأنصرف وأذهب إلى بيتي.. لماذا يجب أن أقول: أنا هنا أنا موجودة وحان موعد انصرافي؟! ألم يلحظ مديري أني إنسانة لها حقوق.. أبسطها إن لي حياة خاصة بعيدًا عن العمل وواجباته اليومية التي لا تنتهي..؟ لِمَ يجب الاستئذان عند القيام بالإجازة..؟ وتقديم طلب.. ثم الموافقة عليها.. ثم القيام بالإجازة ليوم أو اثنين.. ويرن جرس الهاتف يعبر منه صوت مديري يبلغي بضرورة إلغاء الإجازة.. لأن حاجة العمل تتطلب وجودي.. لماذا يجب مني الاستئذان لدى رغبتي لدخول دورة المياه.. فمطلوب مني أن أترك خبرًا عند سكرتيرة الشركة.. (دا الحمام أبسط حقوق البني آدمين).. وذلك حتى عندما يطلبني مديري في أي وقت.. يجب أن يجد سببًا مقنعًا لعدم تواجدي على مكتبي.. كيف لي أن أحيا بدون خنقة وأنا مقيدة من عنقي في سلسلة من الاستئذانات..
فالاستئذان يجعلني أوقن أني أصبحت لا أملك من أمري شيئًا.. أو كأني لا أعي تصرفاتي.. ولست أهلاً لممارسة أبسط حقوقي في الحياة.. ألا وهو الحياة نفسها..
مخنوقة.. من تحكمات والدتي.. فأنا لا أستطيع الذهاب مع صديقاتي للعشاء أو الغداء أو حتى الإفطار في أي مكان دون تقديم مذكرة داخلية (أو طلب على عرض حال دمغة).. إن صحَّ التعبير.. قبل الموعد بأسبوع أذكر فيه المكان والزمان وأيضا الأفراد الذين سألتقي بهم.. (بالذمة مش حاجة تخنق).. والطريف في الموضوع أني يجب أيضا أن أذكر إذا كان هولاء الأشخاص أو الشخصات بالأحري متزوجات أم لا.. لديهن أطفال أم لا..؟ ويا حبذا لو أضفت نبذة عن خلفيتهن الثقافية.. (ويا سلام بقى كمان لو أضفت الرقم القومي بتاع جوزها).. كل هذا يسبب حالة من الخنقة.. وتستمر أمي وتضيق الخناق أكثر.. عندما نذهب سويا الي مشوار.. فيجب أن أستأذن منها (ماما أنا هلبس إيه واحنا نازلين).. لماذا.. حتي تختار هي ما يجعلها تفخر بي وأنا أسير بجوارها.. أما يكفيها أني أبنتها لتفتخر بي.. أم يجب أن أبدو كعرائس الموالد النبوي لتشعر أمي بالسعادة.. لا يكفيها عقلي.. ومكانتي في المجتمع لتفخر بي.. ثم أني لم أعد بنت العشرين لأتبختر داخل زي من اختيار أمي (وأقول معلش يا بت متزعليهاش..بر الوالدين).. مطلوب الاستئذن قبل أن أدخل أية غرفة في البيت.. حتى لو غرفتي ( يمكن يكون حد من إخواتي نايم فيها).. مطلوب مني الاستئذان قبل النوم.. (ماما أنا هنام عايزة حاجة)..
مطلوب مني الاستئذان أيضا من عكسري المرور.. لكي أعبر الطريق.. ذلك العسكري الذي لا يملك من أمره شيئا.. يملك من أمري أنا شيئًا..؟!
ساعات أخري كثيرة أكون (مخوقة) فيها.. دون أي سبب ولست أدري لماذا.. فلا تمر بي ظروف معينة أو أسباب طارئة تجعلني (مخوقة) (بس هو كدا وخلاص).. وتزداد الخنقة وتصل إلى طريق مسدود لا أعرف فيها ما هو السبب الحقيقي لهذه الحالة..
وأجد نفسي أمام طريق مسدود.. أمام مجموعة من الأسباب الجانبية الحياتية اليومية التي تزيد من الخنقة ويصبح سبب الخنقة.. هو عدم قدرتك على اتخاذ قرارت مصيرية في ظل ظروف وطنك لأن (أهلك غلابة مش عارفين يضمنوا مستقبلك.. وشغلك تكاد تكون بتبات فيه علشان تقدر تثبت نفسك.. ومحدش يأخد مكانك خصوصًا أنك شغال في قطاع خاص.. وممكن يقلبوك في أي وقت ومالكش دية عندهم.. ولا من صحابك.. اللي بقوا مكلكعين.. ومعقدين.. وبيخافوا من ضلهم على نفسهم ويموتوا كده من الحسد.. ويخافوا لحسن تديهم عين.. برغم أن بنعمة ربك فحدث.. فمنتش عارف تلاقيها من فين ولا فين..
ولما بتمر عليَّ الحاجات دي ..ببقي مخنوقة.. وأنا دلوقتي مخنوقة..

أنا خايفة

سهرت ليالي وياما لفيت وطفت ...
وفي ليلة راجع في الظلام قمت شفت..
الخوف..كأنه كلب سد الطريق..
وكنت عاوز.. أموته..بس خفت..
عجبي (صلاح جاهين ) ..
إني خائفة.. لست أدري مما أنا خائقة.. لكن الخوف يقتلني.. قد أكون لا أريد أن أستيقظ من نومي.. (علشان متبهدلش في المواصلات).. أنا أصلي بخاف أوي من الزحمة بيجيلي هستيريا.. بحس إني عاملة زي المجنونة.. كل خلايا عقلي بتتشل.. خصوصًا إن المواصلات في وطني.. أشبه بحالة حرب حامية الوطيس.. لا تستطيع أبدًا أن تتنبأ بنهايتها.. فأنت تخرج من بيتك متجهًا إلى عملك في كامل الأناقة وبمجرد ما تحط رجلك في المواصلات.. سواء بقى كانت ميكروباص.. أتوبيس.. أو حتى المترو.. أنت وظروفك. يا هدومك فضلت على حالها.. يا إما دوام الحال من المحال.. وساعتها بتنزل من المواصلات وتبقى أنت وهدومك عايزين تروحوا للمكوجي..
من فترة كده كان فيه إعلان عن النسكافيه بطله واحد شايل المرتبة على ظهره من أول ما يصحى من النوم حتى وهو كمان في الحمام لحد ما يروح الشغل.. ومايشلش المرتبة من على ظهره.. إلا لما يشرب النسكافيه.. كنت بشوف الإعلان ده.. أموت على نفسي من الضحك.. أفضل أضحك لحد الدموع ما تنزل من عيني.. وكنت أقول لأمي.. ماما.. ماما أنا هه.. أنا ببقي عاملة كده الصبح.. كأني تمام ضاربة أي حاجة على الصبح.. بس أنا كنت ببقى مغيببة كده ليه.. علشان خايفة.. علشان مش عايزة أحس بأي حاجة من اللي بتحصل الصبح.. لا تعب وقرف المواصلات ولا الوقفة اللي بتوجع الرجلين لمدة ساعة تقريبًا.. لحد ما تيجي حاجة تأخذني..
وأفضل كده كمان علشان مديري ميزعقش علي التأخير.. أصله بيكره التأخير موت.. وبصراحة عنده حق.. مش لازم نفتح بدري.. علشان التأخير بيجيب وخم.. والوخم بجد.. بيعمل كسل.. والكسل بيمنع الرزق..
دا خوف الصبح.. ببقي كمان خايفة أرَوَّح بعد الشغل.. مش عايزة أقعد لوحدي.. بخاف من الوحدة.. بس هي تقريبًا صاحبتي الوحيدة.. اللي ياما اتكلمت معاها.. مش بتزهق.. ولا بتتضايق.. ولا بتمل.. هي الوحيدة اللي مقدره إن عندي إحساس غريب.. إني هعيش وأموت في غرفتي.. مش هخرج منها.. ويا سلام لو ينفع كمان أندفن فيها.. حتى لا أمر بتجربة وحدتي في العالم الآخر.. بدون غرفتي.. فهي كل تجاربي في الحياة.. أربعة حوائط.. زاخرة بكل أنواع الخوف..
ويعود الخوف يقلق تفكيري.. يجعلني أخاف حتى أن أبدع.. أن أتحدث.. أن يعلو صوتي بضحكة سعادة.. أن حتى أتنفس.. أخاف أن أتنفس.. فقد ينتهي الهواء.. أو لعلي أسحب كل الأكسجين في نفس واحد.. فلا أجد ما أتنفسه بعد ذلك..
أخاف أن آكل.. وأتمتع بالطعام.. حتي لا أسمن.. فدائمًا يجب أن أكون بأحسن مظهر.. ولكني أرغب في تناول الطعام.. عايزة آكل جعانة.. الأكل وحشني.. ولكنه الخوف من جديد..
أخاف أن أحب.. وياله من خوف.. أخاف ألم الفراق.. أخاف ألم الاشتياق.. أخاف ألم الخيانة.. أخاف أن يبتعد عني من أحب.. أخاف.. وأشاهد الحب من بعيد.. كأنه فيلم سيما.. لأنه ممنوع الاقتراب والتصوير.. فالحب منطقة محظورة ملئية بالأهات.. والألم.. والدموع.. والهجران.. ولكني أتمني أن أحب.. أن أعشق.. وأُعْشق.. أتمني أن أتلذذ بلحظة هوى.. تقتل بداخلي خنقة الوجدان.. ورتابة المشاعر.. ولكنه الخوف من جديد..
وأعود أخاف من جديد.. ويقتل الخوف ما قد أمُرُّ به من لحظات سعادة. يقلق الخوف نومي.. ويكدر حياتي.. ولا أصل لحل للتخلص منه.. لعلِّي أخاف من كل رجال الكون.. وأتساءل هل أنا معقدة..!؟ هل أنا فتاة طبيعة..!؟ ويجعلني الخوف أفقد أمتع ما قد تمر به فتاة في حياتها وهو أن تحب..
إنه الخوف هو الذي يحركني.. أخاف أن أعترض.. أخاف أن أعبر عن نفسي.. عن كياني.. عن إحساسي.. عن رغباتي.. حتى دموعي أخاف أن أعبِّر عنها..
فلو عبرت عن احتياجي للحنان والحب.. قالوا: قلة أدب..
لو عبرت عن غضبي من غباء الناس.. قالوا: شايفة نفسها ..
لو عبرت عن رغبتي في تطوير عملي.. أصدمت بالروتين ..
لو عبرت عن رفضي لواقع وطني.. دخلت السجن..
لو عبرت عن خوفي من الغد.. قالوا عدم إيمان بالله ..
لو عبرت عن رغبتي في رؤية إنسان حبيته.. قالوا: معندهاش كرامة..
لو عبرت عن تمردي على واقعي كفتاة تريد الحرية.. قالوا: محضرتش فصول التربية..
وأخاف من جديد.. من القراءة لأنها قد تنير عقلي أكثر فأعرف حقوقي أكثر.. فأتمرد على واقعي أكثر مما أنا متمردة علي كوني أنثي.. مقيدة بسلاسل جنسي.. مربوطة بحبال التقاليد والعادات.. مدفونة في تراب العيب..
وأخاف من أن أمسك قلمًا.. لأني قد لا أسيطر علي مشاعري فأكتب ما قد يجرحني قبل أن يجرح الآخرين..
أخاف يوم أن أصحو.. فلا أجد أمي.. أخاف.. وقد تنتابني حالة بكاء هستيري.. لمجرد مرور ذلك النوع من الخوف على عقلي.. فماذا تفعل فتاة مثلي بدون سندها في هذه الحياة.. ماذا تفعل فتاه مثلي عندما تفقد النوع الوحيد من الأمان المضمون.. وهو وجود الأم..!؟
أخاف في بعض الأحيان أن أتكلم.. لأنه هل يا تري سيكون لكلامي صدى..؟ هل ستتاح لي فرصة التعبير عن مشاعري؟ هل أستطيع أن أقول كل ما يجول بصدري..؟ هل سيفهمني أحد دون أن يتهكم عليَّ..؟ هل أستطيع حتي أن أبكي دون أن يكون بكائي مصدر تساؤل من الجميع..؟
أخاف.. وأخاف.. لدرجة أني أخاف أن أكون إنسانًا لأني خائفة من الخوف..

ناس عايشة في مية البليلة

لما كانت حياتي عبارة عن مجموعة من حلقات الرتابة المستديمة التي لا تنفك أبدًا وتعيد الدوران مرارًا وتكرارًا.. وكأني ارتبطت بهذه الرتابة طوال عمري.. كأننا ولدنا توءمًا.. تأبى أن تتركني ساعة.. ألهو فيها مع خيالاتي وأشرد بعيدًا عندها..
إنه يوم طويل بعد انتهاء العمل.. بمجرد خروجي من الشركة التي أعمل بها..كانت الرتابة تتأبط ذراعي.. وتسير معي في منتهي السعادة.. تحدثني عن نفسها ووجودها في حياتي.. وبدأت تسرد على أسماعي العديد من المواقف الكئيبة والمملة التي جعلتني أمر بها.. وتبتسم الرتابة أمامي كأنها تقول لي: موتي قهرا وغيظًا.. فها أنا أنتصر عليكي.. وعلى كل ما قد يجعلك سعيدة.. هانئة بيوم.. أنا هنا.. في حياتك مهما رفضتني..
وبدأت أستشيط غضبا منها.. ماذا أفعل لأبعد عني هذه الرتابة.. والخنقة اللي أنا عايشة فيها على طول.. إللي بنبات فيه بنصبح فيه.. لا جديد.. (حاجة بصراحة غريبة أوي).
وظللت أمشي هائمة على وجهي في الشارع حتي وجدت لافته مكتوب عليها كوافير...
يااااااااااه..كوافير فكرة هايلة الفكرة دي سوف تصيب الرتابة والخنقة في مقتل..
أروح بقى أعمل شعري.. وظوافري.. باديكير ومانيكير.. وأعمل أي حاجة عايزة تتعمل تاني.. وكله من تحت الحجاب.. وإيه المشكلة.. والله الحجاب ده أحسن حاجة حصلتلتي في حياتي..
وفعلا اتجهت إلى صالون السيدات (الكوافير).. حتى أصبحت أقف على بابه.. وامتدت يدي نحو المقبض.. ولكني توقفت.. لأن الرتابة.. أقنعتني.. أن الناس هنا لن تعرفني فأنا لم آتِ إلى هنا منذ سنوات.. ثم إنَّ هذا الكوافير غالي.. لأنه من أكبر كوافيرات المهندسين.. وأرد على الرتابة.. بس الست صاحبته إيديها تتلف في حرير.. أحسن واحدة بتعمل باديكير في المهندسين ويمكن كمان في مصر كلها..
وتقول الرتابة: سيكون مكتظًا بالناس وسوف تتأخرين على البيت وغسيل الأطباق... وسوف تنظر إليكي أمك نظرة مش تمام.. والعملية مش ناقصة..
وخفت من مجرد ذكر اسم أمي على لسان الرتابة.. وأعطيت ظهري لباب الكوافير.. وبدأت في الانصراف.. وسمعت داخل نفسي صوت الرتابة وهي تضحك بصوت عالي.. استفزَّني أكثر.. فأكثر.. فأكثر..
هل فعلاً أصبحت لا أجيد عمل شيء غير العيش داخل ظل الرتابة..؟ ثم إن الذهاب إلى الكوافير أبسط حقوق الفتيات.. ألست بفتاة.. بل إني أحلى الفتيات..
وسمعت الرتابة من جديد تسخر مني بشدة هذه المرة.. ولم أستطع التحمل.. وكان رد فعلي على السخرية أني التفت إلى الخلف وواجهت باب الكوافير.. واندفعت بقوة.. مخترقة الباب.. ووجدت نفسي أخيرًا داخل الكوافير.. وكأني دخلت عالم أخر مختلف عن الشارع والحر والضوضاء..
فالمكان رائحته عطره.. به الكثير من الحسناوات.. كأنه خلية نحل.. بس كأنك رحت في حته تانيه خاااااااااالص.. لا تسمع في المكان غير صوت الضحك.. والموسيقى.. وهمسات الجميلات.. ولكني أحسست عند دخولي أني كائن فضائي هبط على الأرض.. انتابتني حالة من الكسوف غريبة أوي.. أخذت أحملق في البنات كأنهن لسن من بنات جنسي..
ولم أفق سوى على صوت الرتابة.. هيَّا انصرفي ماذا تفعلين هنا؟ أنت لا تنتمين إلى هذا المكان.. مكانك الآن في المطبخ.. بتغسلي أطباق الغداء.. وتأكلي القطط.. وتنظفي البيت.. وكمان لازم تنامي بدري علشان متتأخريش على الشغل.. هو أنت بتاخدي كام يعني علشان مرتبك يتخصم منه تأخير.. يللا روحي بقى.. إيه المكان المقرف ده..؟ كله بنات مايعة.. وبيعملوا حاجات غريبة أوي.. هيا بنا ننصرف من هذا المكان المنحل..
أيتها الرتابة اتركيني لحالي.. فهذا صالون للتجميل.. تأتي إليه الفتيات.. وأنا فتاة.. اغربي عن وجهي.. أنا قلت للرتابة كده..حلوة أوي أغربي عن وجهي دي..
أنا الخنقة خلاص هتجنني.. أنا قلبت خلاص علي المسلسلات التاريخية بتاعة اتحاد الإذاعة والتليفزيون.. دا انا حتى محصلتش مسلسل تاريخي سوري.. يمكن حالتي النفسية كانت تبقى أحسن..
ولم أنتصر أنا علي الرتابة.. بل التي انتصرت سامية تلك الفتاة التي تعرفت علي.. وجاءت لتحدثني.. ازيك يا مودمزيل.. أنت فين بقالك سنين مش بتيجي.. وأنت واقفة هنا لوحدك ليه.. تعالي خدي دور.. هتعملي باديكر زي العادة وطبعا بعد كده تجيلي علشان اظبطك.. فينك والله وحشاني..ياااااه..
ونادت سامية على فتاة أخرى وأبلغتها أن تهتم بي لأني زبونة قديمة.. أجلستني الفتاة في مكان واهتمت بي وأعطتني رقم... وكان 30 ..
وقلت لنفسي في الغالب.. إن أمي اليوم ستجعلني أبات علي السلم علشان أنا كده هتأخر أوي.. بس وماله علقة تفوت ولا حد يموت.. هو مش من حقي ولا إيه.. أعمل زي كل البنات ما بتعمل..
مين عارف يمكن الخنقة تروح.. ولأول مرة منذ فترة ..ابتسم أنا منتصرة على الرتابة.. والخنقة ..
لما كان كوافير السيدات كخلية النحل.. وكان دوري رقم 30 ..
جلست أتابع ما يحدث.. أراقب الحركات.. وطريقة الكلام.. والموضة.. عاجباني جدا موضوع البنطلونات (اللو ويست) اللي كل حاجة تحته بتبقي باينة ..وللا (الترواكار) وجماله والجديد بقي (اللجي) اللي بيتلبس بقى فوقيه جوبات تكاد يصل طولها إلي 10 سم.. ويللا على رأي إللي قال (اللي يبان مني زكاة عني) أستغفر الله العظيم.. ومحدش عارف ولا فاهم البنات بتعمل كده ليه أصلا.. وقلت وماله أتفرج وأتعلم شوية حركات.. أتعلم كيف تتحدث الفتيات برقة لأني تقريبا نسيت موضوع الرقة ده بسبب الشغل واللي بيحصل فيه.
وفضلت قاعدة زي القطة اللي بتتفرج على الفار وهو رايج جاي.. البنات بجد حاجة تفرح.. والله.. تحس.. (وفي الصيف خصيصًا).. إن فيه أزمة في الملابس.. من كتر ما هي البنات مش عارفة تخلع إيه وللا إيه..خصوصا إن فيه تعليق هايل بيقولوه أخوتي عن الصيف ألا وهو (الصيف وبلاويه واللي بيجري فيه).
وأنا منهمكة في الفرجة.. وعنيا رايحة جاية.. دخلت واحدة.. بنت قد لا تتعدى الخامسة والعشرين.. تصدر منها رائحة عطر قوية جدًّا.. ترتدي ما يستر ما يحتاج للستر.. غريبة أوي بنات اليومين دول.. وكأني لست منهن..
دخلت وهي تلقي الهاي على جميع الموجودين.. حتى صاحبة المحل.. هاي يا كوكي.. عاملة إيه..؟ (موه..موه) ودا طبعا صوت القبلات.. يا ريت تخلصيني بسرعة عندي تصوير على الهوا النهاردة.. ومش هاقدر أستني أنا دوري 35 كتير أوي يا كوكي.. ولكن كوكي.. طلبت منها الانتظار.. لأن هناك فتيات حاجزين من إمبارح..
وجلست الفتاه أمامي مباشرة.. فكانت تلتقي أعيننا في لحظات.. شعرت أنها تختلس النظر لي.. وكنت أنا أيضا أنظر إليها.. بتفرج.. هو إيه اللي هي عاملاه في نفسها ده ..هي علشان مذيعة يعني.. تطلع من هدومها كده.. ما فيه مذيعات زي الفل ومستورين.. الحمد لله يارب على نعمتك.. ساعتها بدأت الرتابة.. تطبق على راسي من جديد.. وتتحدث بمائة لسان ولسان.. وتقول هل أنت الآن راضية عن نفسك.. تشوفي البنات دي وتتحسري علي حالك.. بقيتي خلاص عاملة زي الراجل أبو شنب قلبًا وقالبًا.. ولقد رديت على الرتابة التي بداخلي قائلة يالهووووووي .. راجل بشنب.. هي دي أخرتها يا خنقة يا رتابه ..طب والله لأعمل أي حاجة علشان أتخلص منك.. ولم أكمل حواري مع نفسي.. حتى قالت لي الفتاة المذيعة الجميلة القمورة الملط... ممكن أقولك على حاجة..
اتفضلي..
بصراحة.. حجابك حلو أوي.. شيك موت.. ستايل كده.. همووت بجد وأعمل زيك.. أنت قدرتي تعملي كده إزاي..
أنا: عادي يعني حجاب.. وبعدين ربنا أمرنا بكده..
هي: يعني إزاي بطلتي تلبسي البكيني.. هو أنت مش بتروحي مارينا برضه.. دا حتى الموضة السنة دي اللون الفوشية.. طب قوليلي.. بطلتي تسهري.. مش بتروحي أي Pop)) طب بتقضي الليل إزاي.. وبتسهري فين دلوقتي.. قدرتي إزاي تستغني عن كل ده..!؟ وبعدين صاحبك مش مدايق من الحجاب.. أصل أنت عارفة الشباب يحبوا أوي البنت اللي معاهم تبقي استايل.. وإليجنت.. وانت كدا مخبية كل جمالك عنه.. أكيد هو طبعا مدايق.. أنا بصراحة لو مكانك أخاف عنيه تزوغ على حد تاني..
أنا... أنا... أنا.. فضلت أقول أنا.. وأنا مش عارفة أصلا أرد عليها.. أنا أصلي مش من الطبقة (الايه كلس) اللي بيصيفوا في مارينا.. ولا من الناس اللي بناتها بتخرج الساعة 12 بالليل تسهر مع صحابها.. ولا مصاحبة واحد وبيجي يتغدي معانا في البيت في وجود (مامي)..
أنا بنت عادية خالص.. من عائلة متوسطة الحال.. أيام ما كان فيه طبقة متوسطة.. خصوصًا إن الطبقة دي بدأت في الانقراض.. علشان آجي كوافير زي ده فكرت كتير أوي.. بس أصلي بصراحة بموت في الفشخرة الكدابة..
بس برضه.. أنا بنت عادية.. وبعدين كنت عايزة أرد عليها أقولها أنتو ناس عايشة في مية البليلة.. مش حاسين بأي حاجة في أي حاجة.. لا عارفين إن فيه فقراء مش لاقيين اللقمة.. وإن فيه ناس بتموت علشان تاكل.. وإن فيه ناس مش لاقية فلوس تجيب دواء.. وإن فيه حاجة اسمها أطفال شوارع.. مرميين في الحواري أكتر من الشوارع الرئيسية.. وإن الأسعار غليت.. والعيشة بقيت مرار.. مش عارفين إن معظم سكان مصر بيعملوا جمعيات.. اللي عايز يقبضها علشان يدفع مصاريف مدارس عياله.. ولا عايز يجهز البنت.. ولا يسدد بيها ديون جوازه.. واللي عايزها علشان مصاريف الولادة.. طب أقولها إيه بس.. اتنيلي بستين نيلة.. إيه اللي أنت بتقوليه ده.. مارينا إيه وسهر إيه .. إيه البليلة دي..!؟ هي الناس مش فاهمة.. ولا الغباء أصبح هوه وباء البلد.. عدم التقدير.. عدم المسئولية.. عدم الإحساس..كل دي حاجات تخنق.. وأنا أصلا مش ناقصة خنقة أنا جايَّة أغير الروتين والرتابة والخنقة اللي أنا عايشة فيها.. مش طالبة حد يخنق عليَّا أكتر ما أنا ..
سكت ونظرت للفتاة المذيعة: أصلي أنا بصراحة مش من البلد دي.. ومش بسهر لحد وش الصبح.. ومش بلبس مايوهات.. وكمان مش مصاحبة حد..
نظرت إليَّ الفتاة نظرة غريبة كأني من كوكب تاني..
وقالت: ياااااااااااه وأنت عايشة ليه بقى.. طالما مش بتعملي كل الحاجات دي.. لا خروج ولا سهر ولا حب.. الحياة متعة..
أنا بقى اتخنقت بصراحة منها بزيادة.. وكنت هطق مش عارفه أقولها إيه.. غير إني قلت:
أصلي أنا من المدينة الفاضلة.. لو تسمعي عنها دي في آخر الشارع اللي بعد اللي جاي يمين.. مفهاش كل الكلام اللي أنت قلتيه ده.. عارفة بقى هناك.. كل البنات حلوين وعاملين زيي كده تمام.. محدش بينط من فوق السور ويهرب ويقول أصلي أنا زهقت ولا خايفة على صاحبي لحسن عينه تزوغ.. وبعدين محدش فينا بيلبس مايوهات علشان مش هقولك إنه حرام لحسن تقولي إني متشددة وإرهابية.. عيب عندنا إن جسم البنت كله يبان.. وتبقى عاملة زي حتة اللحمة البتلو الحمضانة.. اللي متعلقة والذباب عافف عليها والجزار مش عارف يعمل فيها إيه.. فيأكلها للكلاب..
وكمان عندنا في المدينة الفاضلة اللي في آخر الشارع اللي بعد اللي جاي يمين.. البنات أول ما بتحب بتتجوز على طول.. مش هنقول إن الحب حرام لحسن تقولي عليا إرهابية ومتشددة.. الحب ده أحلى حاجة في الدنيا.. قوم إيه بقى.. البنت بدل ما تفضل تلف بالخمس والست سنين مع واحد والتاني بعد ما يكون هو أكل وشرب عليها ومابقتش تنفع لا طبلة ولا طار ويسبها في الآخر.. عندنا بقى يحبوا فيتجوزوا.. مهما كانت حالتهم المادية.. وعندنا كمان..
البنت المذيعة بصت لي طب أنتوا عندكم.. أوتيلات فايف ستارز.. آجي أقعد كام يوم نعمل شوبنج عندكم.. وكمان نشوف الشباب اللي بيتجوزوا بسرعة دول..
بصيت لها ومسمسط شفايفي زي عواجيز الفرح.. صحيح ناس عايشة في مية البليلة.. وعلَّم في المتبلم يصبح ناسي..

سواق تاكسي

عندما أتذكر يوم عيد ميلادي تختفي الخنقة والرتابة و(الزهق) ودائما ما أشعر بأنه أجمل أيام حياتي.. ولا أندم أبدًا عندما أقول أنا بلغت من العمركذا..
زمان.. من عدة سنوات حل عيد ميلادي الثالث والعشرين.. كان يومًا رائعًا حقًّا.. لقد كان.. أتذكره كأنه بالأمس.. بالرغم من مررو 10 سنوات عليه الآن...
فكم كنت ساعتها مقبلة على الحياة (ولا زلت ولكن في بعض الأحيان)..كانت الحياة عندي عبارة عن ضحكة وسط نسيم ليلة صيف وأنا جالسة على النيل.. كانت الحياة عبارة عن أغنية للراحلة سعاد حسني (الدنيا ربيع والجو بديع) حتى في شهر يناير.. كانت دائما الحياة (ربيع والجو بديع).
كنت معجبة بكل ما يجعل أي أنسان يبتسم.. يضحك.. أو حتى يقع على الأرض من كثرة الضحك والسعادة.. فأي إنسان.. أي إنسان خلق ليكون سعيدًا..
في ذكرى عيد ميلادي الثالث والعشرين.. كان جم ما يشغلني دعوة صديقاتي لحفل عيد ميلادي.. فكنت أعد له العدة قبل شهر.. كان دائما أبريل.. هو شهر العام.. أجمل ما فيه يوم مولدي.. ودائمًا ما كنت أعتقد وحتى الآن.. أن الأيام التي تسبق يوم مولدي دائمًا ما تكون درجة الحرارة فيها مرتفعة.. حتى يأتي اليوم الموعود.. فيكون النسيم فيه عليلاً.. كأن الدنيا تسعد تبتهج بيوم مولدي..
وأخذت أعد العدة لذلك اليوم.. المكان الأشخاص.. الموسيقى.. نوعية الطعام.. حتى ما سوف أرتديه في ذلك اليوم فأنا يجب أن أكون مشرقة متألقة.. فأنا ملكة يومي.. ونجمة ضيوفي..
أخذت أتفنن في إسعاد نفسي.. وإسعاد كل من حولي.. حتى يشعر الجميع بالراحة والسعادة كما أفعل أنا.. وجاء اليوم الموعود.. وكنت على عجلة من أمري في صباح يوم ميلادي.. فنزلت مسرعة من منزلي متجهه إلى مستشفى المعادي للقوات المسلحة حتى أزور أحد الأصدقاء هناك.. لأنه لن يستطيع الحضور فقررت الذهاب بنفسي اليه..
وقفت على ناصية الشارع.. أشير إلى أي سيارة أجرة.. تقلني إلي هناك.. وأخيرًا ارتضي أحد السائقين أن يأخذني في طريقه.. وأثناء ركوبي معه.. كان هاتفي لا يتوقف عن الرنين صديقاتي يستفسرن عن مكان الحفل والعنوان بالتفصيل.. أمي تخبرني أن فستاني قد وصل إلي البيت.. حبيبي يقول لي كل عام وأنت معي.. (طبعا معرفش عنه أي حاجة دلوقتي).. مدير مكان الحفل يخبرني بأدق التفاصيل.. عن كل ما هو جديد.. فكم كنت أهتم بالتفاصيل وكم كانت دائمًا تكلفني حفلة عيد ميلادي في تلك الأيام.. كنت أدخر نقودي طوال العام من أجل ذلك اليوم.. لأشعر بأني ملكة متوجة في هذه الدنيا حتى لو لمجرد ساعة.. فكم كنت أعتقد أني خلقت من أجل السعادة والاستمتاع بهذه الحياة ..
وأثناء كل تلك الحوارات.. يتابعني السائق.. وأرى في عينيه من خلال المرآه نظرة غريبة.. تجعلني أخاف منه أحيانًا.. وأبتسم إليه أحيانًا.. شعرت بأنه يستمع لكل كلمة أقولها.. حتى الهمسات التي دارت في بعض الحوارات..
وأخيرًا وصلت إلى المستشفى.. وتوقف السائق أمام الباب.. وفتحت حقيبتي أخرج منها النقود ومددت يدي إليه.. قائلة: اتفضل.
السائق: لا شكرا.. الله يخليكي.
أنا: هُوَّه إيه اللي شكرًا..؟ أنا بقولك أتفضل الأجرة. وبدأت أرفع حاجبيَّا. وهذا إشارة على بداية الدخول في موجة انفعال..
السائق: هو أنت مش عيد ميلادك النهاردة؟
أنا: أنت رامي ودانك بقى زي أنا ما حسيت تمام؟
بضحكة عالية: كل سنة وأنت طيبة.. اعتبري التوصيلة دي من أخوكي الكبير هدية عيد ميلادك.
أنا بانفعال: وأنا أعرفك منين أصلا.. أخويا إيه وبتاع أيه؟!
بنظرة عتاب: ميشرفكيش إني أكون أخوكي علشان سواق؟
أنا ولقد نزل موشر الانفعال إلى الصفر: لا طبعًا إيه اللي انت بتقوله ده.. أنا طبعًا يشرفني أنك تكون أخويا وأبويا.. الشغل مش عيب.. المهم أنه يكون لقمة حلال..
السائق: طب دي هدية بسيطة مني.. أصلك بصراحة فكرتيني بأختي.. بس هي بقى الله يرحمها من سنتين.. كانت زيك.. زي النحلة مش بتبطل ضحك ولعب.. وانبساط.. أقولك على نصيحة من أخ لو أنفع أكون أخ ليكي: اوعي تتغيري أبدًا.. خليكي كده زي ما أنت.. اضحكي وأفرحي.. ومتخليش حد يضايقك اعملي كل اللي نفسك فيك طالما صح ومش غلط.. اخرجي.. اتفسحي.. حبي.. اتجوزي.. جيبي عيال.. عيشي حياتك بالطول والعرض.. اوعي تعيطي ولا تخلي حاجة تنَزِّل دمعة من عنيكي.. عنيكي أغلي من أي حاجة في الدنيا.. مفيش حاجة تستاهل غيرك أنت.. أنت وبس.. أوعديني أنك تفضلي البنوتة الشقية دي وأوعي تتغيري.. أرجوكي أوعديني..
لم أستطيع أن أنطق بكلمة واحدة.. وكادت عينيا أن تدمع.. وقلت له: أوعدك..
والآن أقول لذلك السائق: آسفة لم أستطع أن أوفي بوعدي..لم أستطع تنفيذ ما وعدتك به..
فأنا لم أستطع منع نفسي من البكاء عندما أصيبت أمي بذبحة صدرية. لم أستطع منع دموعي..
لم أستطع منع نفسي من البكاء عندما أستشهد جنود مصريون على الحدود مع العدو.. ولم نأخذ بالثأرحتى الآن..
لم أستطع منع نفسي من البكاء في اليوم الأسود الذي أُسقطت فيه طائرة البطوطي بولادنا وضباطنا ومقدرناش حتى نشوف الصندوق الأسود علشان نعرف الحقيقة.
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما أصيبت سيدة عجوز بحالة انهيار لأن سعر كيلو العدس أصبح بثمانية جنيهات..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما فرضت عليَّ الخطبة لرجل رفضته بالسابق.. فقط من أجل أن لا أحمل لقب عانس..
لم أستطع مع نفسي من البكاء.. عندما قاطع أخوالي أمي من أجل ميراث جدتي..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما احتلت أمريكا العراق..
لم أستطع منع نفسي من البكاء عندما سَبُّوا قُرَّة عنيني.. وحبيبي.. رسولي.. نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما أُستشهد الرئيس رفيق الحريري.. عشية عيد الحب..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما خُيِّل لي أني رأيت الرجل الذي طالما تمنيته ذات مرة.. وعندما اقتربت منه.. لم يكن هو.. لقد نسيت ملامحه من كثرة البعاد..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما دخل رجل مسن.. إلي غرفة الطوارئ.. في أحد مستشفيات وطني يعاني ألمًا في الصدر ويحتاج إلي إسعافات.. وظل يتألم.. ويتألم.. حتى مات متألماً.. أمام عيني.. في غرفة الطوارئ.. ولقد أسعفوه.. لكن بعدما مات..
لم أستطع أن أمنع نفسي من البكاء.. وأنا أقف على غسل جدتي...
لم أستطع ولم أستطع.. ولم أستطع أن أحتفط بوعدي معك أيها السائق أينما كنت.. فسامحني..

سنوات صبايا



يلتف ألم حول عنقي الآن.. يعلن رغبتي في الانتحار.. يعلن أني لم أعد أرغب في الحياة معك.. أصبحت أكره ذلك الخاتم الذي التف حول إصبعي في يدي اليمنى.. فهو رمز لوجودك داخل قلبي.. لوجودك تسري في دمي تحدثني عن سنوات طفولتي التي قضيتها أهواك..
عن سنوات صبايا التي بدأت بلمس يديك.. عن لحظات دموعي.. وأنا أُحدث أمي.. عن رغبتي في أن أبقى معك طوال عمري.. عن أيامنا التي كنت تصحبني فيها إلى المدرسة.. تحمل عني حقيبتي.. ترتب لي ضفيرتي.. تسكن بداخلي فأبتسم.. وأرنو إلى قربك..
يلتف ألم حول عنقي.. يعلن رغبتي في الخيانة.. أرغب في أن تتألم.. كمان أتألم أنا الآن.. أرغب في أن تنزف كما أنزف أنا الآن.. أرغب في أن يأتينا نيزك كوني.. يحل عليك أنت وحدك.. يمحوك من الوجود.. ويرفعك مع زبانية جهنم..
لعلك تتألم ..
أرغب في أن أنسى حروف اسمي.. لأنها نُطِقَتْ بشفتيك.. بل لعلِّي أمحو وجودي.. لأنه ارتبط في أعين الناس بوجودك.. وسأغير فصيلة دمي لأنها تحمل جينات دمك.. فأنت من دمي.. أنت أول من حبوت إليه.. أول من مشيت معه.. أول من نطقت اسمه..
أنت أول رجل عرفته.. وسأعرفه..
سأقص شعري.. وأحل ضفائري.. بل سأبدو صلعاء.. لأن يديك غاصت في شعري مرة.. سأمتنع عن التنفس.. لأني اشتقت إلي أنفاسك حولي مرات ومرات.. سأقتلع عينيا.. لأنهما رأتك تضحك.. وتحب.. وتنتشي.. وتفرح بي...
سألعن كل المعاني لأني حاولت أن أجعل منك إنسانًا.. تعرف الحب.. وتتقن الإخلاص.. لأني حاولت نسيان الخيانة لأني حاولت الغفران.. حاولت أن أتخطى بحبك كل أحزاني.. أتذكر فقط أنك أول من أحببت.. وأنسى تخيلي أنك تلهو مع أخرى الآن.. بينما أنا غارقة في دموعي.. أنتحب على قصر بُنِيَ من وهمي.. وسط كثرة كلامك عن الحب.. والعزف على أوتار قلبي أكذب الالحان..
أنت الآن.. تعود من جديد.. وتطلب الغفران.. وأنا أنسى من جديد وتخون من جديد.. وتعود تطلب الغفران.. سنوات صبانا وأنا أتألم.. من كثرة طلب الغفران..
أمَّا الآن.. فهذا الخاتم طوق نار حول إصبعي.. سأخلعه.. بل سأقطع إصبعي.. لا.. لن أغفر من جديد.. ولن أهواك من جديد.. سنكتفي بهذا القدر.. من الألم والخيانة والدموع..
وستحل مكاني في حياتك.. أخري تلعق أخطاءك.. تسامحك على هفواتك.. ولكن بمرو الوقت.. ستمحوك هي الأخرى.. وستخلع رداء حبك عنها وسط درب الحب.. بسبب خيانة الوجدان.. كما خلعتك أنا ورفعت الألم من حول عنقي..