في الصباح الباكر كل يوم ومباشرة بعد أذان الفجر بحوالي النصف ساعة يُسمع هذا الصوت يومياً.. يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. وبعدها تسمع صوت عربية خشبية تجر.. من تحت منزلي.. حتى تستقر تلك العربة الصغيرة على ناصية الشارع.. يوميًّا يقلق نومي ويخنق أحلامي هذا العم حنفي.. وبعدها بثوانٍ.. يعلو صوته مناديًا على صبي القهوة: أنت يا واد يا حسين كوباية شاي منه فيه بسرعة خلينا نصطبح ونشوف ورانا إيه..
وفي هذه الأثناء تكون الشمس بدأت في الشروق.. فأفيق من نومي على صوت حسين وهو يأتي مهرولاً لعم حنفي.. وهو يقلب كوب الشاي اللي منه فيه.. ويناوله إياه.. قائلاً: صباح الفل يا أبو الجرانين.. إيه الأخبار النهارده يا عم حنفي.. يقول حسين الذي لم يتجاوز عامه الخامس عشر.. ويجلس بجوار عم حنفي.. ليستمع إلى أخبار العالم.. يوميًّا ما يتكرر هذا المشهد.. فعم حنفي هو بائع الجرائد بالحي.. يعمل بهذه المهنة منذ أن كان في عُمْر حسين تقريبًا.. شهد الكثير من أحداث هذا الوطن.. أحسه صرحًا من صروح وطني.. كتثمال رمسيس أو ميدان التحرير.. أو حتى برج الجزيرة.. فعم حنفي دائما ما تراه بنفس الزي صيفًا وشتاءً.. دائما ما يرتدي جلبابًا زيتيًّا وفوقه بالطو زيتي وأيضًا الطاقية الزيتي التي لا تفارق رأسه أبدًا مهما كانت الظروف.. بالإضافة طبعًا إلى الحذاء الزيتي الذي لم أره بغيره طول فترة عمري الماضية.. دائمًا ما أشعر بأنه مخبر تسلل إلى دنيانا من أحد أفلام الأربعينيات القديمة بهيئته وهندامه الذي لا يتغير أبدًا.. وبعد سؤال حسين عن الأخبار.. يبدأ عم حنفي بتصفح الجرائد ليطلع حسين على آخر الأخبار...
وفي هذه الأثناء.. تحضر الحاجة أم شيماء زوجة عم حنفي.. تتبختر في عباءتها السوداء المتهالكة.. التي أصبح لونها رماديا من كثرة الاستخدام.. وأعتقد أنهالم تشتر غيرها منذ سنوات.. وهي تتجه نحو عم حنفي.. وتنظر إلى حسين قائلة: صباح الخير يا ولا.. أخبارك إيه.. فين الشاي بتاع خالتك أم شيماء.. وللا خلاص كلام الجرايد هياكل عقلك أنت كمان زي عمك حنفي.. اسمع يا واد يا حسين.. سيبك من الجرايد بتاعة اليومين دول.. عمرك ما هتاخد منها لا حق ولا باطل.. مش أنت يا ولا عندكم في القهوه وصلة للدش.. ابقي خللي الراجل بتاع الدش يجبلكم القناه دي اللي بتجيب الأخبار عمَّال على بطال وأنت تعرف اللي بيحصل في البلد قبل ما يكتبوه في الجرايد.. حاكم إحنا بنعرف الأخبار بعد الهنا بسنة يا واد يا حسين.. يا حنفي.. تعالي يا خويا جبتلك شوية طعمية سخنه لسه طالعين من الطاسة حالا.. يستهلو بقك والله.. وكمان شوية بتنجان.. يسري على قلبك عشان تستحمل مناهدة الناس ساعة الصبحية دي ما أنت شقيان والله يا حنفي..
كل هذا الحوار وأنا أطل من شرفه شقتي على ما يدور عند عم حنفي بتاع الجرائد.. فكم أكره الإزعاج والضوضاء الصباحية التي يقوم بها ذلك الثلاثي (عم حنفي..وأم شيماء..وحسين) يجعلون يومي يبدأ بنوع مختلف من أنواع الخنقة.. بسبب الصوت العالي الذي يقلق نومي.. ولكني في بعض الأحيان أستمتع بالاستيقاظ مبكرًا والوقوف في الشرفة فكم أهوى عبير الصباح من هذه الشرفة.. وأهوى نشرة أخبار عم حنفي فأطلع على أخبار الدنيا من خلال صوت عم حنفي الأجش وهو يقرأ لحسين الأخبار.. وأخذت أنصت إلى حديث عم حنفي.. وراح يأخذني ما بين وريقات صفحات الأخبار.. من هذا الخبر إلى ذلك.. وأنا أنظر إليهم من شرفتي هو وحسين والأخير جالس أمامه على حجر رصيف الشارع.. وفي معظم الأوقات ينتابني إحساس بأنه لا يستوعب كلام عم حنفي ولا يفقه أصلاً معنى كلمة واحدة مما يقوله.. لأني أنا شخصيًّا في بعض الأوقات أستشعر الثقافة المفرطة في هذا العم حنفي.. يتحدث في الاقتصاد.. البورصة.. السياسة.. الفلسفة.. حتي التربية.. السينما طبْعًا يعرف كل النجوم.. الأجيال السابقة والحالية.. وانتبهت إلى ذلك الصوت الذي ينادي على حسين.. أنت يا زفت.. تعالي شوف طلبات الزباين يا ابني تعالي خلينا نشوف شغلنا ونصطبح بقى الرزق هالل سيبك من عم حنفي وكلامه اللي لا بيودي ولا بيجيب دا كلام جرايد يا ولا.. تعالي خلينا في أكل عيشنا ..كل دا كلام حبر على ورق..
يللا يا حسين روح لمعلمك.. خلينا نصطبح كل واحد يشوف أكل عيشه.. هذا ما قالته أم شيماء زوجة عم حنفي.. وجلست إلى جوار زوجها.. تنادي على الجرائد.. كأنها تنادي على التفاح في سوق الفاكهة.. يا أهرامنا.. يا أخبارنا..يا جمهوريتا...المصري اليوم.. يا دستورنا.. الحق يا عم قبل الأخبار ما تبات وتبرد.. الحق يا عم شوف أخبار الجرايم.. الانتخابات.. وكمان الأوكازيونات.. يللا يا رجاله.. يللا قبل ما يغَلُّو الجرانين.. يللا يا جدعان.. الأخبار ببلاش.. وتقترب من عم حنفي الجالس بجوارها قائلة: معلش يا حنفي ابقى شوفلي معاك كدا حوالي 30 جنيه.. أصل كيلو الزبدة الصفراء بقي بـ28 جنيه.. ومينفعش الطبيخ بسمنة هولندي.. فاكر زمان أيام ماكان بـ12 جنيه من ييجي سنتين تلاتة كده.. وتعود كما كانت تنادي.. يا أخبارنا.. يا جمهوريتا.. المصري اليوم.. يا دستورنا.. الحق يا عم قبل الأخبار ما تبات وتبرد.. نظر إليها عم حنفي بحيرة وبفخر.. حيرة فكيف يدبر الـ30جنيه.. وفخر لأنها تبيع الجرائد...بشموخ..
وفي هذه الأثناء تكون الشمس بدأت في الشروق.. فأفيق من نومي على صوت حسين وهو يأتي مهرولاً لعم حنفي.. وهو يقلب كوب الشاي اللي منه فيه.. ويناوله إياه.. قائلاً: صباح الفل يا أبو الجرانين.. إيه الأخبار النهارده يا عم حنفي.. يقول حسين الذي لم يتجاوز عامه الخامس عشر.. ويجلس بجوار عم حنفي.. ليستمع إلى أخبار العالم.. يوميًّا ما يتكرر هذا المشهد.. فعم حنفي هو بائع الجرائد بالحي.. يعمل بهذه المهنة منذ أن كان في عُمْر حسين تقريبًا.. شهد الكثير من أحداث هذا الوطن.. أحسه صرحًا من صروح وطني.. كتثمال رمسيس أو ميدان التحرير.. أو حتى برج الجزيرة.. فعم حنفي دائما ما تراه بنفس الزي صيفًا وشتاءً.. دائما ما يرتدي جلبابًا زيتيًّا وفوقه بالطو زيتي وأيضًا الطاقية الزيتي التي لا تفارق رأسه أبدًا مهما كانت الظروف.. بالإضافة طبعًا إلى الحذاء الزيتي الذي لم أره بغيره طول فترة عمري الماضية.. دائمًا ما أشعر بأنه مخبر تسلل إلى دنيانا من أحد أفلام الأربعينيات القديمة بهيئته وهندامه الذي لا يتغير أبدًا.. وبعد سؤال حسين عن الأخبار.. يبدأ عم حنفي بتصفح الجرائد ليطلع حسين على آخر الأخبار...
وفي هذه الأثناء.. تحضر الحاجة أم شيماء زوجة عم حنفي.. تتبختر في عباءتها السوداء المتهالكة.. التي أصبح لونها رماديا من كثرة الاستخدام.. وأعتقد أنهالم تشتر غيرها منذ سنوات.. وهي تتجه نحو عم حنفي.. وتنظر إلى حسين قائلة: صباح الخير يا ولا.. أخبارك إيه.. فين الشاي بتاع خالتك أم شيماء.. وللا خلاص كلام الجرايد هياكل عقلك أنت كمان زي عمك حنفي.. اسمع يا واد يا حسين.. سيبك من الجرايد بتاعة اليومين دول.. عمرك ما هتاخد منها لا حق ولا باطل.. مش أنت يا ولا عندكم في القهوه وصلة للدش.. ابقي خللي الراجل بتاع الدش يجبلكم القناه دي اللي بتجيب الأخبار عمَّال على بطال وأنت تعرف اللي بيحصل في البلد قبل ما يكتبوه في الجرايد.. حاكم إحنا بنعرف الأخبار بعد الهنا بسنة يا واد يا حسين.. يا حنفي.. تعالي يا خويا جبتلك شوية طعمية سخنه لسه طالعين من الطاسة حالا.. يستهلو بقك والله.. وكمان شوية بتنجان.. يسري على قلبك عشان تستحمل مناهدة الناس ساعة الصبحية دي ما أنت شقيان والله يا حنفي..
كل هذا الحوار وأنا أطل من شرفه شقتي على ما يدور عند عم حنفي بتاع الجرائد.. فكم أكره الإزعاج والضوضاء الصباحية التي يقوم بها ذلك الثلاثي (عم حنفي..وأم شيماء..وحسين) يجعلون يومي يبدأ بنوع مختلف من أنواع الخنقة.. بسبب الصوت العالي الذي يقلق نومي.. ولكني في بعض الأحيان أستمتع بالاستيقاظ مبكرًا والوقوف في الشرفة فكم أهوى عبير الصباح من هذه الشرفة.. وأهوى نشرة أخبار عم حنفي فأطلع على أخبار الدنيا من خلال صوت عم حنفي الأجش وهو يقرأ لحسين الأخبار.. وأخذت أنصت إلى حديث عم حنفي.. وراح يأخذني ما بين وريقات صفحات الأخبار.. من هذا الخبر إلى ذلك.. وأنا أنظر إليهم من شرفتي هو وحسين والأخير جالس أمامه على حجر رصيف الشارع.. وفي معظم الأوقات ينتابني إحساس بأنه لا يستوعب كلام عم حنفي ولا يفقه أصلاً معنى كلمة واحدة مما يقوله.. لأني أنا شخصيًّا في بعض الأوقات أستشعر الثقافة المفرطة في هذا العم حنفي.. يتحدث في الاقتصاد.. البورصة.. السياسة.. الفلسفة.. حتي التربية.. السينما طبْعًا يعرف كل النجوم.. الأجيال السابقة والحالية.. وانتبهت إلى ذلك الصوت الذي ينادي على حسين.. أنت يا زفت.. تعالي شوف طلبات الزباين يا ابني تعالي خلينا نشوف شغلنا ونصطبح بقى الرزق هالل سيبك من عم حنفي وكلامه اللي لا بيودي ولا بيجيب دا كلام جرايد يا ولا.. تعالي خلينا في أكل عيشنا ..كل دا كلام حبر على ورق..
يللا يا حسين روح لمعلمك.. خلينا نصطبح كل واحد يشوف أكل عيشه.. هذا ما قالته أم شيماء زوجة عم حنفي.. وجلست إلى جوار زوجها.. تنادي على الجرائد.. كأنها تنادي على التفاح في سوق الفاكهة.. يا أهرامنا.. يا أخبارنا..يا جمهوريتا...المصري اليوم.. يا دستورنا.. الحق يا عم قبل الأخبار ما تبات وتبرد.. الحق يا عم شوف أخبار الجرايم.. الانتخابات.. وكمان الأوكازيونات.. يللا يا رجاله.. يللا قبل ما يغَلُّو الجرانين.. يللا يا جدعان.. الأخبار ببلاش.. وتقترب من عم حنفي الجالس بجوارها قائلة: معلش يا حنفي ابقى شوفلي معاك كدا حوالي 30 جنيه.. أصل كيلو الزبدة الصفراء بقي بـ28 جنيه.. ومينفعش الطبيخ بسمنة هولندي.. فاكر زمان أيام ماكان بـ12 جنيه من ييجي سنتين تلاتة كده.. وتعود كما كانت تنادي.. يا أخبارنا.. يا جمهوريتا.. المصري اليوم.. يا دستورنا.. الحق يا عم قبل الأخبار ما تبات وتبرد.. نظر إليها عم حنفي بحيرة وبفخر.. حيرة فكيف يدبر الـ30جنيه.. وفخر لأنها تبيع الجرائد...بشموخ..
No comments:
Post a Comment