Wednesday, August 6, 2008

رغيف عيش

يا ماما.. يا ماما.. بسرعة الفطار الله يخليكي عشان أنا كده هتأخر على الشغل.. ماما.. أنت سمعاني..
إيه بس الخنقة اللي عالصبح دي..؟
كان هذا هو الحوار الذي دار بيني وبين أمي الساعة السابعة والنصف صباحا.. أنا في غرفتي أرتدي ملابسي.. وهي في المطبخ.. أطلب منها إعداد الإفطار.. حتى يتسنى لي الذهاب إلى عملي.. فراتبي لا يتحمل أن يخصم منه أي شيء مقابل التأخير..
ولكن لم ترد عليَّ أمي.. مما اضطرني إلى الذهاب إلى المطبخ.. لتفقد ما الذي يحدث.. كانت ماما.. تعد لي كوب الشاي بالحليب.. فمن المحال أن أبدأ يومي دون هذا الكوب.. وأعطتني أمي كوب الشاي واتجهت لغرفتها كي تكمل نومها.. فناديتها.. ماما.. ماما.. فين سندوتش الجبنة بتاعي...
أجابتني.. معلش يا وطن (أصل أمي ساعات بتحب تدلعني وتقولي وطن..مش عارفة العلاقة بس أهه).. مفيش عيش...
قلت: نعم..؟! يعني إيه مفيش عيش.. هوه فيه بيت في الدنيا مفهوش عيش..؟
ماما: كان فيه وخلص.. شوفي بقى هتعملي إيه.. انزلي اشتري عيش..
وتركتني أمي وانصرفت..
(أشتري عيش..؟) ودوَّت كلامات أمي في رأسي ..من أين أشتري هذا العيش.. الساعة الآن السابعة والنصف.. فأين سأجد سوبر ماركت مفتوحًا الآن.. ولكن لا بد أن أتمم إفطاري.. فأنا لا أستطيع أن أتعامل مع البشر بمعدة خاوية..
وأخذت القرار.. سوف أبحث عن الخبز بأي طريقة.. مهما كلفني الأمر سأجد رغيف العيش.. من حقي أن أبحث عن رغيف العيش..
من حقي أن أتناول سندوتش الجبنة مع كوباية الشاي .. من حقي..
ونزلت من البيت أبحث عن بقال.. أو حتى سوبر ماركت أو أي شيء يبيع ذلك الرغيف..
ولكن لا حياة لمن تنادي.. لم أجد أي شيء.. و أثناء بحثي المستميت.. وجدت طابورًا طويلاً جدًّا.. في آخر الحارة.. ولكن من العجيب وجود طابور في حارتنا.. أخذت أتساءل.. ياترى هل افتتحت إحدى السفارات العربية فرع لها في حارتنا لتوظيف شبابنا في تلك البلدان.. أم أن إحدى الشركات الكبرى نشرت إعلانًا في الجريدة القومية تطلب موظفين.. وهذا هو المنفذ الوحيد لتقديم الطلبات.. فهناك عشرات وعشرات في هذا الطابور.. ولكن الغريب أن معظم المتقدمين للوظيفة أو حتى طالبين السفر من النساء..
أخذت أقترب شيئًا فشيئًا من الطابور.. أمشي بجواره فهو كطابور النمل الذي يحمل طعامه إلى مخبئه.. طابور به كل أعمار النساء.. فمنهن من ترتدي المريلة الكحلي.. ومنهن من تحمل بعض الكتب.. وأخرى بالجلابية الشعبية البسيطة.. و أخريات انحنت ظهورهن أمام سنوات الفقر والحرمان..
و أخيرًا وصلت لبداية الطابور.. وكانت به سيدة.. قد تعرف سنوات عمرها إذا قمت بعدد تلك الخطوط التي في وجها.. سيدة لا يفارق السواد ملابسها.. من بداية ساتر شعرها.. حتى ذلك الجلباب المتهالك.. وأيضا الحذاء البسيط.. فاقتربت منها و سألتها..
هوه فيه إيه يا حاجة؟ فأجابتني في أسًى.. والله يا بنتي ما أنا عارفة احنا واقفين هنا من الساعة 5 الصبح مستنيين الخبيز.. ولسه مفيش رغيف عيش طلع.. أصل الرغيف بقى عامل زي المهلبية..
فتحت عينيَّا عن أخرهما.. ويكاد يكون فكي وصل الي ركبتي من الدهشة.. أنا أقف في فرن.. فرن العيش..كل هذا الطابور في من أجل رغيف العيش.. لماذا.. ماذا يحدث.. لِمَ كل ذلك..؟! لا أعرف..كنت على وشك الانهيار.. فماذا أفعل الآن..؟ لا وقت لأقف في هذا الطابور.. لو فعلت سيخصم راتب الشهر بأكمله.. بل قد يصل الأمر إلى راتب الشهر المقبل وأنا أقف في هذا الطابور..
و تساءلت في نفسي: هل أصبح من الصعب حتى على الإنسان الفقير.. البسيط.. الحصول على رغيف عيش..؟ هل يجب علي مواطن بلدي أن يقف ساعات وساعات للحصول على الرغيف بالسعر الذي يقدر عليه..؟! ولِمَ وصل رغيف العيش لذلك الأمر..؟
يمكن علشان إحنا شعب بيحب يأكل كتير.. دا إحنا حتى ساعات بنأكل الرغيف حاف.. علشان مش لقيين الغموس..
أكيد لشدة إقبال الشعب على الرغيف أصبح عملة نادرة.. يجب أن يقف في الطابور لساعات منذ بداية أذان الفجر.. وقبل أن تشرق الشمس للحصول عليه.. أو قد يكون السبب قلة الأفران التي تخبر العيش.. أو أن هذه الأفران تبيع العيش بالسعر الذي يقدر علي شرائه البسطاء.. أصل الدقيق عليه دعم.. يارب ما يلغو الدعم..
وسط كثرة الأفكار.. نظرت في الساعة وجدتها الساعة التاسعة إلاَّ ربع.. فاسودت الدنيا في وجهي أكثر.. لقد تأخرت على العمل.. يجب أن أكون على مكتبي الساعة التاسعة تمامًا.. أخذت أهرول داخل نفسي.. لكي أسابق الدقائق.. فأمامي طابور أخر طويل وهو طابور المواصلات.. يكفي ما أصابني اليوم من رغيف العيش..

No comments: