Wednesday, August 6, 2008

سواق تاكسي

عندما أتذكر يوم عيد ميلادي تختفي الخنقة والرتابة و(الزهق) ودائما ما أشعر بأنه أجمل أيام حياتي.. ولا أندم أبدًا عندما أقول أنا بلغت من العمركذا..
زمان.. من عدة سنوات حل عيد ميلادي الثالث والعشرين.. كان يومًا رائعًا حقًّا.. لقد كان.. أتذكره كأنه بالأمس.. بالرغم من مررو 10 سنوات عليه الآن...
فكم كنت ساعتها مقبلة على الحياة (ولا زلت ولكن في بعض الأحيان)..كانت الحياة عندي عبارة عن ضحكة وسط نسيم ليلة صيف وأنا جالسة على النيل.. كانت الحياة عبارة عن أغنية للراحلة سعاد حسني (الدنيا ربيع والجو بديع) حتى في شهر يناير.. كانت دائما الحياة (ربيع والجو بديع).
كنت معجبة بكل ما يجعل أي أنسان يبتسم.. يضحك.. أو حتى يقع على الأرض من كثرة الضحك والسعادة.. فأي إنسان.. أي إنسان خلق ليكون سعيدًا..
في ذكرى عيد ميلادي الثالث والعشرين.. كان جم ما يشغلني دعوة صديقاتي لحفل عيد ميلادي.. فكنت أعد له العدة قبل شهر.. كان دائما أبريل.. هو شهر العام.. أجمل ما فيه يوم مولدي.. ودائمًا ما كنت أعتقد وحتى الآن.. أن الأيام التي تسبق يوم مولدي دائمًا ما تكون درجة الحرارة فيها مرتفعة.. حتى يأتي اليوم الموعود.. فيكون النسيم فيه عليلاً.. كأن الدنيا تسعد تبتهج بيوم مولدي..
وأخذت أعد العدة لذلك اليوم.. المكان الأشخاص.. الموسيقى.. نوعية الطعام.. حتى ما سوف أرتديه في ذلك اليوم فأنا يجب أن أكون مشرقة متألقة.. فأنا ملكة يومي.. ونجمة ضيوفي..
أخذت أتفنن في إسعاد نفسي.. وإسعاد كل من حولي.. حتى يشعر الجميع بالراحة والسعادة كما أفعل أنا.. وجاء اليوم الموعود.. وكنت على عجلة من أمري في صباح يوم ميلادي.. فنزلت مسرعة من منزلي متجهه إلى مستشفى المعادي للقوات المسلحة حتى أزور أحد الأصدقاء هناك.. لأنه لن يستطيع الحضور فقررت الذهاب بنفسي اليه..
وقفت على ناصية الشارع.. أشير إلى أي سيارة أجرة.. تقلني إلي هناك.. وأخيرًا ارتضي أحد السائقين أن يأخذني في طريقه.. وأثناء ركوبي معه.. كان هاتفي لا يتوقف عن الرنين صديقاتي يستفسرن عن مكان الحفل والعنوان بالتفصيل.. أمي تخبرني أن فستاني قد وصل إلي البيت.. حبيبي يقول لي كل عام وأنت معي.. (طبعا معرفش عنه أي حاجة دلوقتي).. مدير مكان الحفل يخبرني بأدق التفاصيل.. عن كل ما هو جديد.. فكم كنت أهتم بالتفاصيل وكم كانت دائمًا تكلفني حفلة عيد ميلادي في تلك الأيام.. كنت أدخر نقودي طوال العام من أجل ذلك اليوم.. لأشعر بأني ملكة متوجة في هذه الدنيا حتى لو لمجرد ساعة.. فكم كنت أعتقد أني خلقت من أجل السعادة والاستمتاع بهذه الحياة ..
وأثناء كل تلك الحوارات.. يتابعني السائق.. وأرى في عينيه من خلال المرآه نظرة غريبة.. تجعلني أخاف منه أحيانًا.. وأبتسم إليه أحيانًا.. شعرت بأنه يستمع لكل كلمة أقولها.. حتى الهمسات التي دارت في بعض الحوارات..
وأخيرًا وصلت إلى المستشفى.. وتوقف السائق أمام الباب.. وفتحت حقيبتي أخرج منها النقود ومددت يدي إليه.. قائلة: اتفضل.
السائق: لا شكرا.. الله يخليكي.
أنا: هُوَّه إيه اللي شكرًا..؟ أنا بقولك أتفضل الأجرة. وبدأت أرفع حاجبيَّا. وهذا إشارة على بداية الدخول في موجة انفعال..
السائق: هو أنت مش عيد ميلادك النهاردة؟
أنا: أنت رامي ودانك بقى زي أنا ما حسيت تمام؟
بضحكة عالية: كل سنة وأنت طيبة.. اعتبري التوصيلة دي من أخوكي الكبير هدية عيد ميلادك.
أنا بانفعال: وأنا أعرفك منين أصلا.. أخويا إيه وبتاع أيه؟!
بنظرة عتاب: ميشرفكيش إني أكون أخوكي علشان سواق؟
أنا ولقد نزل موشر الانفعال إلى الصفر: لا طبعًا إيه اللي انت بتقوله ده.. أنا طبعًا يشرفني أنك تكون أخويا وأبويا.. الشغل مش عيب.. المهم أنه يكون لقمة حلال..
السائق: طب دي هدية بسيطة مني.. أصلك بصراحة فكرتيني بأختي.. بس هي بقى الله يرحمها من سنتين.. كانت زيك.. زي النحلة مش بتبطل ضحك ولعب.. وانبساط.. أقولك على نصيحة من أخ لو أنفع أكون أخ ليكي: اوعي تتغيري أبدًا.. خليكي كده زي ما أنت.. اضحكي وأفرحي.. ومتخليش حد يضايقك اعملي كل اللي نفسك فيك طالما صح ومش غلط.. اخرجي.. اتفسحي.. حبي.. اتجوزي.. جيبي عيال.. عيشي حياتك بالطول والعرض.. اوعي تعيطي ولا تخلي حاجة تنَزِّل دمعة من عنيكي.. عنيكي أغلي من أي حاجة في الدنيا.. مفيش حاجة تستاهل غيرك أنت.. أنت وبس.. أوعديني أنك تفضلي البنوتة الشقية دي وأوعي تتغيري.. أرجوكي أوعديني..
لم أستطيع أن أنطق بكلمة واحدة.. وكادت عينيا أن تدمع.. وقلت له: أوعدك..
والآن أقول لذلك السائق: آسفة لم أستطع أن أوفي بوعدي..لم أستطع تنفيذ ما وعدتك به..
فأنا لم أستطع منع نفسي من البكاء عندما أصيبت أمي بذبحة صدرية. لم أستطع منع دموعي..
لم أستطع منع نفسي من البكاء عندما أستشهد جنود مصريون على الحدود مع العدو.. ولم نأخذ بالثأرحتى الآن..
لم أستطع منع نفسي من البكاء في اليوم الأسود الذي أُسقطت فيه طائرة البطوطي بولادنا وضباطنا ومقدرناش حتى نشوف الصندوق الأسود علشان نعرف الحقيقة.
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما أصيبت سيدة عجوز بحالة انهيار لأن سعر كيلو العدس أصبح بثمانية جنيهات..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما فرضت عليَّ الخطبة لرجل رفضته بالسابق.. فقط من أجل أن لا أحمل لقب عانس..
لم أستطع مع نفسي من البكاء.. عندما قاطع أخوالي أمي من أجل ميراث جدتي..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما احتلت أمريكا العراق..
لم أستطع منع نفسي من البكاء عندما سَبُّوا قُرَّة عنيني.. وحبيبي.. رسولي.. نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما أُستشهد الرئيس رفيق الحريري.. عشية عيد الحب..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما خُيِّل لي أني رأيت الرجل الذي طالما تمنيته ذات مرة.. وعندما اقتربت منه.. لم يكن هو.. لقد نسيت ملامحه من كثرة البعاد..
لم أستطع منع نفسي من البكاء.. عندما دخل رجل مسن.. إلي غرفة الطوارئ.. في أحد مستشفيات وطني يعاني ألمًا في الصدر ويحتاج إلي إسعافات.. وظل يتألم.. ويتألم.. حتى مات متألماً.. أمام عيني.. في غرفة الطوارئ.. ولقد أسعفوه.. لكن بعدما مات..
لم أستطع أن أمنع نفسي من البكاء.. وأنا أقف على غسل جدتي...
لم أستطع ولم أستطع.. ولم أستطع أن أحتفط بوعدي معك أيها السائق أينما كنت.. فسامحني..

No comments: