Wednesday, August 6, 2008

اشتيـــــــاق

في لحظة غفوت من شدة التعب.. استسلمت للنوم.. ورحت في سبات عميق.. وفجأة صحوت على صوت صراخ يملأ كل الأرجاء.. ومن شدته حسبتني أنا من أصرخ.. صراخ.. لا.. بل عواء.. نعم.. إنه بكاء وصل إلى حد العواء.. فزعت وأخذت أركض وأركض.. ولكن إلى أين؟ فالدنيا كلها حولي مظلمة.. لا أبصر أمامي طريقًا واحدًا.. أمشي به لا هدف.. فأنا لا أبصر.. لعلَّ هذا هو السبب.. لقد أُصِبْتُ بالعمى.. نعم أنا لا أبصر.. لا.. فأنا أبصر جيدا.. فأنا أدرك جيدا لون ردائي.. إنه أيضا أسود.. لا هذا كثير.. هذا مُقبض.. أين أنا..؟ لا أعرف.. أين أهلي.. أين غرفتي.. لا يوجد حولي سوى ذلك اللون الأسود.. أخذت أركض.. ولم أصل إلى أي مكان.. إنه طريق أسود.. أخذت أحاول فتح الأبواب..لم أصل إلى شيء لا توجد أبواب.. وتعبت من كثرة الركض.. واستسلمت للجلوس على الأرض السوداء.. وأسندت رأسي على الحائط الأسود.. وأخذت أبكي.. أبكي.. أبكي.. ولم أجد أحدًا من المارة يلتفت لي.. ولكن أين هم المارة.. فلم أبصر أحدًا حولي.. حتى ظلي.. لم أبصره.. واستعدت قدرتي على الحركة.. إلى متى سوف أظل في هذا المكان الغريب..؟ لا أحد حولي.. لا أماكن.. لا إنارة.. وأخذت أعدو من جديد.. فأبصرت من بعديد ضوءًا.. كأنه قنديل أو ما شابه.. أركض نحوه.. ولما اقتربت ابتعد.. وأقترب.. ويبتعد.. وأقترب من جديد.. أكاد أدنو منه.. يبتعد.. وتكاد يدايا أن تلمسه.. يبتعد.. أدركت أخيرا أنه لا وجود للقنديل.. لا وجود للأمل إلا في مخيلتي.. ولم أستطع التحمل أكثر وانخرطت في بكاء عارم.. حتى أن وجنتي مزقتا من شدة حرارة دموعي.. وأصبحت تائهة بين دموعي ودمي..لا أعرف أيهما يولمني أكثر..أيهما يسيل أكتر..أخذت أنادى علي كل من أعرف..أمي..أخوتي..أصدقائي..حتى أبي.. ناديته.. أبي.. أين أنت.. أجبني.. أحتاج إليك.. أبى.. أبى.. لا رد.. لا إجابة.. لم أكن أسمع سوى صدى صوتي.. ولاحت لي من بعيد صور بعض الأشخاص.. هم كل من أحب.. وأخيرًا وجدت الصحبة في هذا المكان الموحش.. لكنهم لا يتحركون.. لا يتجهون نحوي.. أتجه إلى أمي فأجدها تختفي في ثوان.. أخوتي.. أصدقائي..كل من أعرف يظهر ثم يختفي.. إنهم أشباح.. نعم أشباح.. لقد مت.. أخيراً وصلت إلى شيء.. لقد مت.. هذه هي الحياة الأخرى.. أهذا هو الموت..؟ أهكذا يكون..؟ ولكني لم أكن بهذا السوء.. حتى تسود آخرتي بهذا الشكل..؟! على أي حال لقد ارتحت.. المهم أنى وصلت إلى معرفة مكاني.. أسلمت نفسي لغفوة جديدة.. وعندما صحوت وجدت نفسي في ذات المكان.. لا.. لا.. الموتي تتغير أماكنهم؟؟ يذهبون إلى أماكن مختلفة.. لا يظلون في ذات المكان.. لا.. أنا لم أمت.. جُنَّ جنوني.. أين أنا.. أين أنا.. أين أنا..؟ وسادت فترة صمت بيني وبين نفسي.. هدوء.. وظلام.. حتى أنى توقفت عن التنفس..لم أسمع حتى صوت أنفاسي.. هدوء مميت.. قاتل.. هدوء.. فقط.. ولم أدرك كم من الوقت مكثت.. ساعات.. أيام.. أسابيع.. وأنا على ذات الوضع.. ومن جديد بكاء.. فأنا لا أملك سوى البكاء.. وفجأة سمعت صوت رنين جرس الهاتف.. توقفت عن البكاء.. وانتبهت إلى مصدر الصوت.. أدركت مكان الهاتف.. اتجهت إليه مسرعة.. مسرعة جدًّا.. رفعت السماعة بلهفة لعلي أجد مخرجًا مما أنا فيه.. وإذا بصوتك يتخلل كل كياني.. فتنير الدنيا.. وأجد نفسي بسريري كما كنت.. أمام نافذتي يدخل منها نسيم عطرك.. يتخللنى صوتك.. يهدأ من روعي.. وأرى ألوان قوس قزح.. وأسمع ضحكات الأطفال من حولي.. وأرى نظرة الحب في عين كل من أعرف تجاهي.. وأستنشق عبير الربيع في وعدك بالحضور لرؤيتي.. وأعود إلى سكنايا بداخلك.. وأتساءل.. يا ترى أين كنت أنا منذ لحظات..؟! يجاوب قلبي: لقد كنت في ظلمة طوال فترة غيابك عني.

No comments: