لما كانت حياتي عبارة عن مجموعة من حلقات الرتابة المستديمة التي لا تنفك أبدًا وتعيد الدوران مرارًا وتكرارًا.. وكأني ارتبطت بهذه الرتابة طوال عمري.. كأننا ولدنا توءمًا.. تأبى أن تتركني ساعة.. ألهو فيها مع خيالاتي وأشرد بعيدًا عندها..
إنه يوم طويل بعد انتهاء العمل.. بمجرد خروجي من الشركة التي أعمل بها..كانت الرتابة تتأبط ذراعي.. وتسير معي في منتهي السعادة.. تحدثني عن نفسها ووجودها في حياتي.. وبدأت تسرد على أسماعي العديد من المواقف الكئيبة والمملة التي جعلتني أمر بها.. وتبتسم الرتابة أمامي كأنها تقول لي: موتي قهرا وغيظًا.. فها أنا أنتصر عليكي.. وعلى كل ما قد يجعلك سعيدة.. هانئة بيوم.. أنا هنا.. في حياتك مهما رفضتني..
وبدأت أستشيط غضبا منها.. ماذا أفعل لأبعد عني هذه الرتابة.. والخنقة اللي أنا عايشة فيها على طول.. إللي بنبات فيه بنصبح فيه.. لا جديد.. (حاجة بصراحة غريبة أوي).
وظللت أمشي هائمة على وجهي في الشارع حتي وجدت لافته مكتوب عليها كوافير...
يااااااااااه..كوافير فكرة هايلة الفكرة دي سوف تصيب الرتابة والخنقة في مقتل..
أروح بقى أعمل شعري.. وظوافري.. باديكير ومانيكير.. وأعمل أي حاجة عايزة تتعمل تاني.. وكله من تحت الحجاب.. وإيه المشكلة.. والله الحجاب ده أحسن حاجة حصلتلتي في حياتي..
وفعلا اتجهت إلى صالون السيدات (الكوافير).. حتى أصبحت أقف على بابه.. وامتدت يدي نحو المقبض.. ولكني توقفت.. لأن الرتابة.. أقنعتني.. أن الناس هنا لن تعرفني فأنا لم آتِ إلى هنا منذ سنوات.. ثم إنَّ هذا الكوافير غالي.. لأنه من أكبر كوافيرات المهندسين.. وأرد على الرتابة.. بس الست صاحبته إيديها تتلف في حرير.. أحسن واحدة بتعمل باديكير في المهندسين ويمكن كمان في مصر كلها..
وتقول الرتابة: سيكون مكتظًا بالناس وسوف تتأخرين على البيت وغسيل الأطباق... وسوف تنظر إليكي أمك نظرة مش تمام.. والعملية مش ناقصة..
وخفت من مجرد ذكر اسم أمي على لسان الرتابة.. وأعطيت ظهري لباب الكوافير.. وبدأت في الانصراف.. وسمعت داخل نفسي صوت الرتابة وهي تضحك بصوت عالي.. استفزَّني أكثر.. فأكثر.. فأكثر..
هل فعلاً أصبحت لا أجيد عمل شيء غير العيش داخل ظل الرتابة..؟ ثم إن الذهاب إلى الكوافير أبسط حقوق الفتيات.. ألست بفتاة.. بل إني أحلى الفتيات..
وسمعت الرتابة من جديد تسخر مني بشدة هذه المرة.. ولم أستطع التحمل.. وكان رد فعلي على السخرية أني التفت إلى الخلف وواجهت باب الكوافير.. واندفعت بقوة.. مخترقة الباب.. ووجدت نفسي أخيرًا داخل الكوافير.. وكأني دخلت عالم أخر مختلف عن الشارع والحر والضوضاء..
فالمكان رائحته عطره.. به الكثير من الحسناوات.. كأنه خلية نحل.. بس كأنك رحت في حته تانيه خاااااااااالص.. لا تسمع في المكان غير صوت الضحك.. والموسيقى.. وهمسات الجميلات.. ولكني أحسست عند دخولي أني كائن فضائي هبط على الأرض.. انتابتني حالة من الكسوف غريبة أوي.. أخذت أحملق في البنات كأنهن لسن من بنات جنسي..
ولم أفق سوى على صوت الرتابة.. هيَّا انصرفي ماذا تفعلين هنا؟ أنت لا تنتمين إلى هذا المكان.. مكانك الآن في المطبخ.. بتغسلي أطباق الغداء.. وتأكلي القطط.. وتنظفي البيت.. وكمان لازم تنامي بدري علشان متتأخريش على الشغل.. هو أنت بتاخدي كام يعني علشان مرتبك يتخصم منه تأخير.. يللا روحي بقى.. إيه المكان المقرف ده..؟ كله بنات مايعة.. وبيعملوا حاجات غريبة أوي.. هيا بنا ننصرف من هذا المكان المنحل..
أيتها الرتابة اتركيني لحالي.. فهذا صالون للتجميل.. تأتي إليه الفتيات.. وأنا فتاة.. اغربي عن وجهي.. أنا قلت للرتابة كده..حلوة أوي أغربي عن وجهي دي..
أنا الخنقة خلاص هتجنني.. أنا قلبت خلاص علي المسلسلات التاريخية بتاعة اتحاد الإذاعة والتليفزيون.. دا انا حتى محصلتش مسلسل تاريخي سوري.. يمكن حالتي النفسية كانت تبقى أحسن..
ولم أنتصر أنا علي الرتابة.. بل التي انتصرت سامية تلك الفتاة التي تعرفت علي.. وجاءت لتحدثني.. ازيك يا مودمزيل.. أنت فين بقالك سنين مش بتيجي.. وأنت واقفة هنا لوحدك ليه.. تعالي خدي دور.. هتعملي باديكر زي العادة وطبعا بعد كده تجيلي علشان اظبطك.. فينك والله وحشاني..ياااااه..
ونادت سامية على فتاة أخرى وأبلغتها أن تهتم بي لأني زبونة قديمة.. أجلستني الفتاة في مكان واهتمت بي وأعطتني رقم... وكان 30 ..
وقلت لنفسي في الغالب.. إن أمي اليوم ستجعلني أبات علي السلم علشان أنا كده هتأخر أوي.. بس وماله علقة تفوت ولا حد يموت.. هو مش من حقي ولا إيه.. أعمل زي كل البنات ما بتعمل..
مين عارف يمكن الخنقة تروح.. ولأول مرة منذ فترة ..ابتسم أنا منتصرة على الرتابة.. والخنقة ..
لما كان كوافير السيدات كخلية النحل.. وكان دوري رقم 30 ..
جلست أتابع ما يحدث.. أراقب الحركات.. وطريقة الكلام.. والموضة.. عاجباني جدا موضوع البنطلونات (اللو ويست) اللي كل حاجة تحته بتبقي باينة ..وللا (الترواكار) وجماله والجديد بقي (اللجي) اللي بيتلبس بقى فوقيه جوبات تكاد يصل طولها إلي 10 سم.. ويللا على رأي إللي قال (اللي يبان مني زكاة عني) أستغفر الله العظيم.. ومحدش عارف ولا فاهم البنات بتعمل كده ليه أصلا.. وقلت وماله أتفرج وأتعلم شوية حركات.. أتعلم كيف تتحدث الفتيات برقة لأني تقريبا نسيت موضوع الرقة ده بسبب الشغل واللي بيحصل فيه.
وفضلت قاعدة زي القطة اللي بتتفرج على الفار وهو رايج جاي.. البنات بجد حاجة تفرح.. والله.. تحس.. (وفي الصيف خصيصًا).. إن فيه أزمة في الملابس.. من كتر ما هي البنات مش عارفة تخلع إيه وللا إيه..خصوصا إن فيه تعليق هايل بيقولوه أخوتي عن الصيف ألا وهو (الصيف وبلاويه واللي بيجري فيه).
وأنا منهمكة في الفرجة.. وعنيا رايحة جاية.. دخلت واحدة.. بنت قد لا تتعدى الخامسة والعشرين.. تصدر منها رائحة عطر قوية جدًّا.. ترتدي ما يستر ما يحتاج للستر.. غريبة أوي بنات اليومين دول.. وكأني لست منهن..
دخلت وهي تلقي الهاي على جميع الموجودين.. حتى صاحبة المحل.. هاي يا كوكي.. عاملة إيه..؟ (موه..موه) ودا طبعا صوت القبلات.. يا ريت تخلصيني بسرعة عندي تصوير على الهوا النهاردة.. ومش هاقدر أستني أنا دوري 35 كتير أوي يا كوكي.. ولكن كوكي.. طلبت منها الانتظار.. لأن هناك فتيات حاجزين من إمبارح..
وجلست الفتاه أمامي مباشرة.. فكانت تلتقي أعيننا في لحظات.. شعرت أنها تختلس النظر لي.. وكنت أنا أيضا أنظر إليها.. بتفرج.. هو إيه اللي هي عاملاه في نفسها ده ..هي علشان مذيعة يعني.. تطلع من هدومها كده.. ما فيه مذيعات زي الفل ومستورين.. الحمد لله يارب على نعمتك.. ساعتها بدأت الرتابة.. تطبق على راسي من جديد.. وتتحدث بمائة لسان ولسان.. وتقول هل أنت الآن راضية عن نفسك.. تشوفي البنات دي وتتحسري علي حالك.. بقيتي خلاص عاملة زي الراجل أبو شنب قلبًا وقالبًا.. ولقد رديت على الرتابة التي بداخلي قائلة يالهووووووي .. راجل بشنب.. هي دي أخرتها يا خنقة يا رتابه ..طب والله لأعمل أي حاجة علشان أتخلص منك.. ولم أكمل حواري مع نفسي.. حتى قالت لي الفتاة المذيعة الجميلة القمورة الملط... ممكن أقولك على حاجة..
اتفضلي..
بصراحة.. حجابك حلو أوي.. شيك موت.. ستايل كده.. همووت بجد وأعمل زيك.. أنت قدرتي تعملي كده إزاي..
أنا: عادي يعني حجاب.. وبعدين ربنا أمرنا بكده..
هي: يعني إزاي بطلتي تلبسي البكيني.. هو أنت مش بتروحي مارينا برضه.. دا حتى الموضة السنة دي اللون الفوشية.. طب قوليلي.. بطلتي تسهري.. مش بتروحي أي Pop)) طب بتقضي الليل إزاي.. وبتسهري فين دلوقتي.. قدرتي إزاي تستغني عن كل ده..!؟ وبعدين صاحبك مش مدايق من الحجاب.. أصل أنت عارفة الشباب يحبوا أوي البنت اللي معاهم تبقي استايل.. وإليجنت.. وانت كدا مخبية كل جمالك عنه.. أكيد هو طبعا مدايق.. أنا بصراحة لو مكانك أخاف عنيه تزوغ على حد تاني..
أنا... أنا... أنا.. فضلت أقول أنا.. وأنا مش عارفة أصلا أرد عليها.. أنا أصلي مش من الطبقة (الايه كلس) اللي بيصيفوا في مارينا.. ولا من الناس اللي بناتها بتخرج الساعة 12 بالليل تسهر مع صحابها.. ولا مصاحبة واحد وبيجي يتغدي معانا في البيت في وجود (مامي)..
أنا بنت عادية خالص.. من عائلة متوسطة الحال.. أيام ما كان فيه طبقة متوسطة.. خصوصًا إن الطبقة دي بدأت في الانقراض.. علشان آجي كوافير زي ده فكرت كتير أوي.. بس أصلي بصراحة بموت في الفشخرة الكدابة..
بس برضه.. أنا بنت عادية.. وبعدين كنت عايزة أرد عليها أقولها أنتو ناس عايشة في مية البليلة.. مش حاسين بأي حاجة في أي حاجة.. لا عارفين إن فيه فقراء مش لاقيين اللقمة.. وإن فيه ناس بتموت علشان تاكل.. وإن فيه ناس مش لاقية فلوس تجيب دواء.. وإن فيه حاجة اسمها أطفال شوارع.. مرميين في الحواري أكتر من الشوارع الرئيسية.. وإن الأسعار غليت.. والعيشة بقيت مرار.. مش عارفين إن معظم سكان مصر بيعملوا جمعيات.. اللي عايز يقبضها علشان يدفع مصاريف مدارس عياله.. ولا عايز يجهز البنت.. ولا يسدد بيها ديون جوازه.. واللي عايزها علشان مصاريف الولادة.. طب أقولها إيه بس.. اتنيلي بستين نيلة.. إيه اللي أنت بتقوليه ده.. مارينا إيه وسهر إيه .. إيه البليلة دي..!؟ هي الناس مش فاهمة.. ولا الغباء أصبح هوه وباء البلد.. عدم التقدير.. عدم المسئولية.. عدم الإحساس..كل دي حاجات تخنق.. وأنا أصلا مش ناقصة خنقة أنا جايَّة أغير الروتين والرتابة والخنقة اللي أنا عايشة فيها.. مش طالبة حد يخنق عليَّا أكتر ما أنا ..
سكت ونظرت للفتاة المذيعة: أصلي أنا بصراحة مش من البلد دي.. ومش بسهر لحد وش الصبح.. ومش بلبس مايوهات.. وكمان مش مصاحبة حد..
نظرت إليَّ الفتاة نظرة غريبة كأني من كوكب تاني..
وقالت: ياااااااااااه وأنت عايشة ليه بقى.. طالما مش بتعملي كل الحاجات دي.. لا خروج ولا سهر ولا حب.. الحياة متعة..
أنا بقى اتخنقت بصراحة منها بزيادة.. وكنت هطق مش عارفه أقولها إيه.. غير إني قلت:
أصلي أنا من المدينة الفاضلة.. لو تسمعي عنها دي في آخر الشارع اللي بعد اللي جاي يمين.. مفهاش كل الكلام اللي أنت قلتيه ده.. عارفة بقى هناك.. كل البنات حلوين وعاملين زيي كده تمام.. محدش بينط من فوق السور ويهرب ويقول أصلي أنا زهقت ولا خايفة على صاحبي لحسن عينه تزوغ.. وبعدين محدش فينا بيلبس مايوهات علشان مش هقولك إنه حرام لحسن تقولي إني متشددة وإرهابية.. عيب عندنا إن جسم البنت كله يبان.. وتبقى عاملة زي حتة اللحمة البتلو الحمضانة.. اللي متعلقة والذباب عافف عليها والجزار مش عارف يعمل فيها إيه.. فيأكلها للكلاب..
وكمان عندنا في المدينة الفاضلة اللي في آخر الشارع اللي بعد اللي جاي يمين.. البنات أول ما بتحب بتتجوز على طول.. مش هنقول إن الحب حرام لحسن تقولي عليا إرهابية ومتشددة.. الحب ده أحلى حاجة في الدنيا.. قوم إيه بقى.. البنت بدل ما تفضل تلف بالخمس والست سنين مع واحد والتاني بعد ما يكون هو أكل وشرب عليها ومابقتش تنفع لا طبلة ولا طار ويسبها في الآخر.. عندنا بقى يحبوا فيتجوزوا.. مهما كانت حالتهم المادية.. وعندنا كمان..
البنت المذيعة بصت لي طب أنتوا عندكم.. أوتيلات فايف ستارز.. آجي أقعد كام يوم نعمل شوبنج عندكم.. وكمان نشوف الشباب اللي بيتجوزوا بسرعة دول..
بصيت لها ومسمسط شفايفي زي عواجيز الفرح.. صحيح ناس عايشة في مية البليلة.. وعلَّم في المتبلم يصبح ناسي..
إنه يوم طويل بعد انتهاء العمل.. بمجرد خروجي من الشركة التي أعمل بها..كانت الرتابة تتأبط ذراعي.. وتسير معي في منتهي السعادة.. تحدثني عن نفسها ووجودها في حياتي.. وبدأت تسرد على أسماعي العديد من المواقف الكئيبة والمملة التي جعلتني أمر بها.. وتبتسم الرتابة أمامي كأنها تقول لي: موتي قهرا وغيظًا.. فها أنا أنتصر عليكي.. وعلى كل ما قد يجعلك سعيدة.. هانئة بيوم.. أنا هنا.. في حياتك مهما رفضتني..
وبدأت أستشيط غضبا منها.. ماذا أفعل لأبعد عني هذه الرتابة.. والخنقة اللي أنا عايشة فيها على طول.. إللي بنبات فيه بنصبح فيه.. لا جديد.. (حاجة بصراحة غريبة أوي).
وظللت أمشي هائمة على وجهي في الشارع حتي وجدت لافته مكتوب عليها كوافير...
يااااااااااه..كوافير فكرة هايلة الفكرة دي سوف تصيب الرتابة والخنقة في مقتل..
أروح بقى أعمل شعري.. وظوافري.. باديكير ومانيكير.. وأعمل أي حاجة عايزة تتعمل تاني.. وكله من تحت الحجاب.. وإيه المشكلة.. والله الحجاب ده أحسن حاجة حصلتلتي في حياتي..
وفعلا اتجهت إلى صالون السيدات (الكوافير).. حتى أصبحت أقف على بابه.. وامتدت يدي نحو المقبض.. ولكني توقفت.. لأن الرتابة.. أقنعتني.. أن الناس هنا لن تعرفني فأنا لم آتِ إلى هنا منذ سنوات.. ثم إنَّ هذا الكوافير غالي.. لأنه من أكبر كوافيرات المهندسين.. وأرد على الرتابة.. بس الست صاحبته إيديها تتلف في حرير.. أحسن واحدة بتعمل باديكير في المهندسين ويمكن كمان في مصر كلها..
وتقول الرتابة: سيكون مكتظًا بالناس وسوف تتأخرين على البيت وغسيل الأطباق... وسوف تنظر إليكي أمك نظرة مش تمام.. والعملية مش ناقصة..
وخفت من مجرد ذكر اسم أمي على لسان الرتابة.. وأعطيت ظهري لباب الكوافير.. وبدأت في الانصراف.. وسمعت داخل نفسي صوت الرتابة وهي تضحك بصوت عالي.. استفزَّني أكثر.. فأكثر.. فأكثر..
هل فعلاً أصبحت لا أجيد عمل شيء غير العيش داخل ظل الرتابة..؟ ثم إن الذهاب إلى الكوافير أبسط حقوق الفتيات.. ألست بفتاة.. بل إني أحلى الفتيات..
وسمعت الرتابة من جديد تسخر مني بشدة هذه المرة.. ولم أستطع التحمل.. وكان رد فعلي على السخرية أني التفت إلى الخلف وواجهت باب الكوافير.. واندفعت بقوة.. مخترقة الباب.. ووجدت نفسي أخيرًا داخل الكوافير.. وكأني دخلت عالم أخر مختلف عن الشارع والحر والضوضاء..
فالمكان رائحته عطره.. به الكثير من الحسناوات.. كأنه خلية نحل.. بس كأنك رحت في حته تانيه خاااااااااالص.. لا تسمع في المكان غير صوت الضحك.. والموسيقى.. وهمسات الجميلات.. ولكني أحسست عند دخولي أني كائن فضائي هبط على الأرض.. انتابتني حالة من الكسوف غريبة أوي.. أخذت أحملق في البنات كأنهن لسن من بنات جنسي..
ولم أفق سوى على صوت الرتابة.. هيَّا انصرفي ماذا تفعلين هنا؟ أنت لا تنتمين إلى هذا المكان.. مكانك الآن في المطبخ.. بتغسلي أطباق الغداء.. وتأكلي القطط.. وتنظفي البيت.. وكمان لازم تنامي بدري علشان متتأخريش على الشغل.. هو أنت بتاخدي كام يعني علشان مرتبك يتخصم منه تأخير.. يللا روحي بقى.. إيه المكان المقرف ده..؟ كله بنات مايعة.. وبيعملوا حاجات غريبة أوي.. هيا بنا ننصرف من هذا المكان المنحل..
أيتها الرتابة اتركيني لحالي.. فهذا صالون للتجميل.. تأتي إليه الفتيات.. وأنا فتاة.. اغربي عن وجهي.. أنا قلت للرتابة كده..حلوة أوي أغربي عن وجهي دي..
أنا الخنقة خلاص هتجنني.. أنا قلبت خلاص علي المسلسلات التاريخية بتاعة اتحاد الإذاعة والتليفزيون.. دا انا حتى محصلتش مسلسل تاريخي سوري.. يمكن حالتي النفسية كانت تبقى أحسن..
ولم أنتصر أنا علي الرتابة.. بل التي انتصرت سامية تلك الفتاة التي تعرفت علي.. وجاءت لتحدثني.. ازيك يا مودمزيل.. أنت فين بقالك سنين مش بتيجي.. وأنت واقفة هنا لوحدك ليه.. تعالي خدي دور.. هتعملي باديكر زي العادة وطبعا بعد كده تجيلي علشان اظبطك.. فينك والله وحشاني..ياااااه..
ونادت سامية على فتاة أخرى وأبلغتها أن تهتم بي لأني زبونة قديمة.. أجلستني الفتاة في مكان واهتمت بي وأعطتني رقم... وكان 30 ..
وقلت لنفسي في الغالب.. إن أمي اليوم ستجعلني أبات علي السلم علشان أنا كده هتأخر أوي.. بس وماله علقة تفوت ولا حد يموت.. هو مش من حقي ولا إيه.. أعمل زي كل البنات ما بتعمل..
مين عارف يمكن الخنقة تروح.. ولأول مرة منذ فترة ..ابتسم أنا منتصرة على الرتابة.. والخنقة ..
لما كان كوافير السيدات كخلية النحل.. وكان دوري رقم 30 ..
جلست أتابع ما يحدث.. أراقب الحركات.. وطريقة الكلام.. والموضة.. عاجباني جدا موضوع البنطلونات (اللو ويست) اللي كل حاجة تحته بتبقي باينة ..وللا (الترواكار) وجماله والجديد بقي (اللجي) اللي بيتلبس بقى فوقيه جوبات تكاد يصل طولها إلي 10 سم.. ويللا على رأي إللي قال (اللي يبان مني زكاة عني) أستغفر الله العظيم.. ومحدش عارف ولا فاهم البنات بتعمل كده ليه أصلا.. وقلت وماله أتفرج وأتعلم شوية حركات.. أتعلم كيف تتحدث الفتيات برقة لأني تقريبا نسيت موضوع الرقة ده بسبب الشغل واللي بيحصل فيه.
وفضلت قاعدة زي القطة اللي بتتفرج على الفار وهو رايج جاي.. البنات بجد حاجة تفرح.. والله.. تحس.. (وفي الصيف خصيصًا).. إن فيه أزمة في الملابس.. من كتر ما هي البنات مش عارفة تخلع إيه وللا إيه..خصوصا إن فيه تعليق هايل بيقولوه أخوتي عن الصيف ألا وهو (الصيف وبلاويه واللي بيجري فيه).
وأنا منهمكة في الفرجة.. وعنيا رايحة جاية.. دخلت واحدة.. بنت قد لا تتعدى الخامسة والعشرين.. تصدر منها رائحة عطر قوية جدًّا.. ترتدي ما يستر ما يحتاج للستر.. غريبة أوي بنات اليومين دول.. وكأني لست منهن..
دخلت وهي تلقي الهاي على جميع الموجودين.. حتى صاحبة المحل.. هاي يا كوكي.. عاملة إيه..؟ (موه..موه) ودا طبعا صوت القبلات.. يا ريت تخلصيني بسرعة عندي تصوير على الهوا النهاردة.. ومش هاقدر أستني أنا دوري 35 كتير أوي يا كوكي.. ولكن كوكي.. طلبت منها الانتظار.. لأن هناك فتيات حاجزين من إمبارح..
وجلست الفتاه أمامي مباشرة.. فكانت تلتقي أعيننا في لحظات.. شعرت أنها تختلس النظر لي.. وكنت أنا أيضا أنظر إليها.. بتفرج.. هو إيه اللي هي عاملاه في نفسها ده ..هي علشان مذيعة يعني.. تطلع من هدومها كده.. ما فيه مذيعات زي الفل ومستورين.. الحمد لله يارب على نعمتك.. ساعتها بدأت الرتابة.. تطبق على راسي من جديد.. وتتحدث بمائة لسان ولسان.. وتقول هل أنت الآن راضية عن نفسك.. تشوفي البنات دي وتتحسري علي حالك.. بقيتي خلاص عاملة زي الراجل أبو شنب قلبًا وقالبًا.. ولقد رديت على الرتابة التي بداخلي قائلة يالهووووووي .. راجل بشنب.. هي دي أخرتها يا خنقة يا رتابه ..طب والله لأعمل أي حاجة علشان أتخلص منك.. ولم أكمل حواري مع نفسي.. حتى قالت لي الفتاة المذيعة الجميلة القمورة الملط... ممكن أقولك على حاجة..
اتفضلي..
بصراحة.. حجابك حلو أوي.. شيك موت.. ستايل كده.. همووت بجد وأعمل زيك.. أنت قدرتي تعملي كده إزاي..
أنا: عادي يعني حجاب.. وبعدين ربنا أمرنا بكده..
هي: يعني إزاي بطلتي تلبسي البكيني.. هو أنت مش بتروحي مارينا برضه.. دا حتى الموضة السنة دي اللون الفوشية.. طب قوليلي.. بطلتي تسهري.. مش بتروحي أي Pop)) طب بتقضي الليل إزاي.. وبتسهري فين دلوقتي.. قدرتي إزاي تستغني عن كل ده..!؟ وبعدين صاحبك مش مدايق من الحجاب.. أصل أنت عارفة الشباب يحبوا أوي البنت اللي معاهم تبقي استايل.. وإليجنت.. وانت كدا مخبية كل جمالك عنه.. أكيد هو طبعا مدايق.. أنا بصراحة لو مكانك أخاف عنيه تزوغ على حد تاني..
أنا... أنا... أنا.. فضلت أقول أنا.. وأنا مش عارفة أصلا أرد عليها.. أنا أصلي مش من الطبقة (الايه كلس) اللي بيصيفوا في مارينا.. ولا من الناس اللي بناتها بتخرج الساعة 12 بالليل تسهر مع صحابها.. ولا مصاحبة واحد وبيجي يتغدي معانا في البيت في وجود (مامي)..
أنا بنت عادية خالص.. من عائلة متوسطة الحال.. أيام ما كان فيه طبقة متوسطة.. خصوصًا إن الطبقة دي بدأت في الانقراض.. علشان آجي كوافير زي ده فكرت كتير أوي.. بس أصلي بصراحة بموت في الفشخرة الكدابة..
بس برضه.. أنا بنت عادية.. وبعدين كنت عايزة أرد عليها أقولها أنتو ناس عايشة في مية البليلة.. مش حاسين بأي حاجة في أي حاجة.. لا عارفين إن فيه فقراء مش لاقيين اللقمة.. وإن فيه ناس بتموت علشان تاكل.. وإن فيه ناس مش لاقية فلوس تجيب دواء.. وإن فيه حاجة اسمها أطفال شوارع.. مرميين في الحواري أكتر من الشوارع الرئيسية.. وإن الأسعار غليت.. والعيشة بقيت مرار.. مش عارفين إن معظم سكان مصر بيعملوا جمعيات.. اللي عايز يقبضها علشان يدفع مصاريف مدارس عياله.. ولا عايز يجهز البنت.. ولا يسدد بيها ديون جوازه.. واللي عايزها علشان مصاريف الولادة.. طب أقولها إيه بس.. اتنيلي بستين نيلة.. إيه اللي أنت بتقوليه ده.. مارينا إيه وسهر إيه .. إيه البليلة دي..!؟ هي الناس مش فاهمة.. ولا الغباء أصبح هوه وباء البلد.. عدم التقدير.. عدم المسئولية.. عدم الإحساس..كل دي حاجات تخنق.. وأنا أصلا مش ناقصة خنقة أنا جايَّة أغير الروتين والرتابة والخنقة اللي أنا عايشة فيها.. مش طالبة حد يخنق عليَّا أكتر ما أنا ..
سكت ونظرت للفتاة المذيعة: أصلي أنا بصراحة مش من البلد دي.. ومش بسهر لحد وش الصبح.. ومش بلبس مايوهات.. وكمان مش مصاحبة حد..
نظرت إليَّ الفتاة نظرة غريبة كأني من كوكب تاني..
وقالت: ياااااااااااه وأنت عايشة ليه بقى.. طالما مش بتعملي كل الحاجات دي.. لا خروج ولا سهر ولا حب.. الحياة متعة..
أنا بقى اتخنقت بصراحة منها بزيادة.. وكنت هطق مش عارفه أقولها إيه.. غير إني قلت:
أصلي أنا من المدينة الفاضلة.. لو تسمعي عنها دي في آخر الشارع اللي بعد اللي جاي يمين.. مفهاش كل الكلام اللي أنت قلتيه ده.. عارفة بقى هناك.. كل البنات حلوين وعاملين زيي كده تمام.. محدش بينط من فوق السور ويهرب ويقول أصلي أنا زهقت ولا خايفة على صاحبي لحسن عينه تزوغ.. وبعدين محدش فينا بيلبس مايوهات علشان مش هقولك إنه حرام لحسن تقولي إني متشددة وإرهابية.. عيب عندنا إن جسم البنت كله يبان.. وتبقى عاملة زي حتة اللحمة البتلو الحمضانة.. اللي متعلقة والذباب عافف عليها والجزار مش عارف يعمل فيها إيه.. فيأكلها للكلاب..
وكمان عندنا في المدينة الفاضلة اللي في آخر الشارع اللي بعد اللي جاي يمين.. البنات أول ما بتحب بتتجوز على طول.. مش هنقول إن الحب حرام لحسن تقولي عليا إرهابية ومتشددة.. الحب ده أحلى حاجة في الدنيا.. قوم إيه بقى.. البنت بدل ما تفضل تلف بالخمس والست سنين مع واحد والتاني بعد ما يكون هو أكل وشرب عليها ومابقتش تنفع لا طبلة ولا طار ويسبها في الآخر.. عندنا بقى يحبوا فيتجوزوا.. مهما كانت حالتهم المادية.. وعندنا كمان..
البنت المذيعة بصت لي طب أنتوا عندكم.. أوتيلات فايف ستارز.. آجي أقعد كام يوم نعمل شوبنج عندكم.. وكمان نشوف الشباب اللي بيتجوزوا بسرعة دول..
بصيت لها ومسمسط شفايفي زي عواجيز الفرح.. صحيح ناس عايشة في مية البليلة.. وعلَّم في المتبلم يصبح ناسي..

2 comments:
Gamda A7'er A7'er 7aaaaaGaaa ;-)
ميرسي يا معتز ربنا يخليك
Post a Comment