Wednesday, June 4, 2008

حبيبي... شهيدي








وقفت تتأمله وهو يعدو..يطلق العنان لساقيه..يتخلل الهواء شعره..تتناثر خصلات منه على جبينه..يشق طريقه بسرعة..يبدو فهداً غاضباً..يسرع وسط إعجاب الجمع الغفير الذي يراقبه..وكم كانت تبدو سعيدة..وهي ترمقه بعينيها..تبتسم..فيعود الزمن بها للوراء..تبتعد عن الكون..وتتذكر كيف كان الزمن عدواً لها...شرساً على قلبها..تفيق على صوت تعالي التصفيق..فتبصره وصل للنهاية...وأبدع في الوصول إلي القمة من جديد كعادته...بهر لب من حوله كما تعودت منه...واستمر الحفل...وكان ما يحدث جزء من كل...ومن جديد يخطف الزمن روحها للوراء...تتذكر كيف شهدت هذا الحفل من قبل..وساعتها كانت محبة...هائمة بالبطل الذي يعدو...والزي الذي يرتديه...كانت تهيم به حباً..يأمر فتطيع..يحلم فتنفذ...يتمني فِيُقلب الكون حتي تتحق أمانيه....كم كانت محبة...وكم كان هو رجلا...ويوقظها من غفلتها..تعالى صوت الموسيقى العسكرية..إيذانا ببداية عرض المشاة...وتقدم صفوف الأبطال الصغار...تقف وتنتبه تبحث من مولودها...طفلها الكبير..أبصرته يعدو كأسد.. كأنه هو أبوه..حبيبها..يشق الأرض ويضربها بقدميه...يمزق الكون بصوته...ينبئ العالم بقدوم بطل...يرتدي الزي الرسمي....تلتقي عيناها بعينيه...تبتسم له...فترى من أحبت يبتسم...تلوح له كما لوحت لأبيه...فيرد إليها الماضي التحية...فتبصرها وتسعد...وتعود للحاضر لطفلها الذي عشقته منذ نعومة أظافره...تشهده الأن بطلا يعدو...تشهد حلم العمر يخطو على الأرض...وترمق بعينيها نظرة إحدي الفتيات إليه فتفطن أنها عاشقة له... كما كانت هي عاشقة لوالده منذ زمن..تجدها فرحة...كما كانت هي فرحة...وتعود تبتسم إليه من جديد وتلوح من جديد...ويبتسم لها ولحبيبته التي بجوراها...وتعود تجلس في مكانها وتبتسم ابتسامة حانية..إن طفلها الوحيد يحب.. إنه ذلك الحبيب..إنه رجلها الأن..وكم كانت ذكرى حبها لوالده حية فهي في نفس المكان وتشهد نفس الأحداث..ونفس الشخص..فبالأمس كان حبيب العمر...والأن هو وليد القلب...وزهرة الحياة.. فلذة الكبد..وابن من ذهب وراح..يحمل طول قامة والده..عيناه بلون العسل..بقوة الأهرام ذراعاه..دف الكون في كفيه..تماما كوالده..وتمراللحظة وتتذكر من جديد..كيف..كان الحبيب..وكيف كانت معاناة الاقتران..حيث

الرفض من الأسرتين..تتذكر..كيف مزق قلبها ابتعاده..وابتعد وراح يخدم على حدود الوطن..كيف زفت نفسها إليه هناك..وتركت الكون وكل من حولها..برغم معارضة كل من الأسرتين..تذكرت ذلك العرس الصغير..على الحدود..وسط خط النار..وسط شظايا البارود..كانت تزف إليه ..ضربات القنابل.. و طلقات الرصاص تزغرد لها..وزفت اليه..وكانت تنعم به وسط الخطر..أحبته...وأحبها... ضمها إليه..وكانت الأولى والأخيرة..واشتعلت النيران..وتعالي صوت دوي القنابل.. وارتعدت خوفا عليه..وودعها كانه لن يعود..وأحست أنه ذاهب بلا رجعة..وأخدت تدعو الرب..لكي يعود..وكأن الدنيا من حولها هي بداية الخليقة..أصوات كالرعد..بل أاقوي..شمس في ظلمة الليل..نيران لا تحرق إلا القلب..رصاص يخرق الجسد..يلقي الجسد أرضاً..ويذهب الروح..وذهبت الروح..وجاء محمولا على الأكتاف..تتناثر دماؤه على تراب الأرض..وتصمت..تحملق به..وهم يضعونه في مضجعه..سريرها الذي لم يرقد عليه سوي ليلة واحدة..ويقف الأبطال ملتفين حولهما..وهي تراقب نومه..وتمسك يدايه تداعب أنامله..تقترب من شفتيه..لعلهما تنتفضان من لمستها..تضع يدايها في شعره..تقبل جبينه..تضع رأسها على صدره..يشرب ثوبها دمه..يختلط لون ثوبها الوردي..بلون دمه الأحمر القاتم..تحتضنه..تبكي على صدره..وتسأل..لو لم ترفض الأسرتان ارتباطهما منذ البداية..ما كان رحل وتركها..ما كان على خطوط النار...في مواجهة العدو.. قتل...وها هم الان يقتربون ويحملوه بعيداً...ولكنها لا تتركه...بل تتمسك به أكتر..وتحتضنه أكتر...وتقبل شفتيه...ويديه...وجبينه...وتصرخ صرخة مدوية...تشرق لها ليل الشهيد..ليأتي الصبح وتشرق الشمس..وتكون الصرخة هي صرخة مولد البطل الصغير..ويولد يشبه أباه..كأنه منه بل هو منه...ليلة حب واحدة أعطتها حباً أخر...وكبر وهو يشبه أباه..وأحب ما فعل ابوه...وسلك نفس الطريق...وأحب الزي الرسمي...وما استطاعت أن تمنعه...لقد ورث جينات حب الوطن من أبيه...تسكن بداخله...تملي علىه ما يفعل...وعادت بجسدها إلي الحاضر إلي الحفل الذي يشهد تخرج ابنها من الكلية الحربية ...وتركت روحها في الماضى تهيم في ليلة قضتها بين أحضان حبيبها...ورأته يبتسم لها..لقد أحبت وأنجبت...أحبت رجلاً أهدته للوطن...وأنجبت رجلاً وتهديه الأن للوطن.. وانتهى الحفل وخرج بطل كوالده...وجاء إليها يعدو بزيه الرسمي..واحتضنها بشده...وقالت في نفسها وهي تحتضنه..ياربي حتي عبير جسده..هو عبير جسد والده..حبيبي..شهيدي...