Wednesday, August 6, 2008

عتبة الثلاثين


جرس يدق بجواري ليوقظني من نومي كي أبدأ نهاري.. ولكنه لا يدق بجواري ليوقظني إنما يدق داخل رأسي.. أنتبه إلى ما يجري بجواري أنظر في ذلك (المنبه) الساعة الثامنة والنصف.. يا إلهي لقد بدأت اليوم متأخرة سأتأخر على عملي من جديد.. أركض داخل ملابسي.. وفي ثوان معدودة أكون واقفة أمام ما يدعى بمحطة الميكروباص.. حر غريب بدأ الشتاء يلملم أوراقه من على طاولة العام مستعدًّا للانصراف.
لا أجد ما يقلني إلى عملي سوى ذلك الميكروباص الذي يصر سائقه على ملئه عن آخره بالبشر.. فتتلامس أجساد البنات بالرجال بالعواجيز بالأطفال ملحمة بشرية تفوح منها رائحة الفقر والعجز والمذلة وهوان البشر بعضهم على بعض.. فالراكب المسكين يصارع بضراوة ليستقل ذلك الشئ ذاهبًا لعمله فهو لا يقدر أن يبذر جنيهات عدة تصل إلى الخمس أو الست في ما يُسَمَّى بسيارة الأجرة (التاكسي) فهو لا يقدر أن يدفع أكثر من نصف جنيه أجرة الركوب في هذه الفرن البشري المتحرك الذي يتصارع فيه البشر كما تصارع السفن الأمواج لتبقى في البحر.. والسائق أيضا قد يكون في بعض الأحوال مسكينًا هو الآخر.. فثمن مثل هذا الشيء يصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات ومعظم السائقين اشتروه بالتقسيط فهو ملزم بدفع مبلغ مالي معين كل شهر وإلاَّ تراكمت عليه الفوائد والدَّين ويصبح ثمن ذلك الشيء الضِّعْفين إن لم يكن ثلاثة أضعاف المبلغ الأصلي..
وبما أن عملي في طريق في الجامعة فمعظم الركاب من الطلبة الصغار.. طلبة الجامعة تلك الأزهارالصغيرة التي لا زالت في طور النمو.. أقف مكاني أنظر إلى الساعة.. إنها التاسعة لقد تأخرت لا محالة.. أنظر إلى وجوه الناس المكسوة بطبقة من العبوس.. والوجم.. والحزن.. على الرغم أننا في بداية اليوم..
أملي في الحصول على ذلك الميكروباص ضعيف جدًّا فهو دائما مزدحم ولا يوجد مكان حتى لكي تضع قدمًا واحدة.. الازدحام وحده كفيل بأن يجعل شرطة الآداب تحرر آلاف المحاضر في سيارة واحدة.. فما بال باقي المواصلات في هذا الوقت من اليوم.. من الأتوبيسات.. والأتوبيسات المكيفة والمترو.. والقطارات.. وجميع أنواع المواصلات في كافة أنحاء الوطن..
وأقف وأعاود التأمل فأنا لا أستطيع التحرك من مكاني.. وأستمر في الوقوف بلا حراك.. وألحظ أن هناك فتاة تبتسم لي.. فأرد الابتسامة لها بابتسامة صفراء خالية من الحياة.. مما جعلها تتقدم نحوي بابتسامة أعرض من سابقتها.. وتسأل هُوَّه مفيش حاجة من هنا بتروج الجامعة..؟ وبدأ الحوار وصالت وجالت في رأسي مئات المرات بل ألوف المرات.. لعن الله هذه الابتسامة الصفراء.. فلولاها ما حطت بفمها على رأسي.. وما أن لاح لي من بعيد شكل ذلك الشيء يتهادي.. وكراسيه ناصعة البياض لا تظهر فيها خيالات أي رؤوس.. حتى أطلقت العنان لنفسي كي ألحق به وانتصرت وفزت بكرسي فارغ ووضعت يدي علي آخر بجواري لتلك الفتاة المبتسمة.. وصعدت وجلست بجواري ومرة أخرى أطبقت بفمها على رأسي وأخذت من جديد تصول وتجول داخل فصوص عقلي... ومواضيع شتى وقصص عنها وعن إخوتها والجامعة والدراسة.. وسألتني ماذا أدرس..؟ ومن أي كليه تخرجت..؟ وثرثرة مالها مثيل من ثرثرة.. ولكي أريح نفسي أغمضت عيني ولكنها كانت مفتوحة.. أجبرت نفسي علي رؤية الظلمة.. ورحت في سبات عميق وهي جواري لازلت تثرثر.. وفجأة كأنَّ زلزالا أو بركانا هزني وأفقت من غفوتي.. فهي تسأل عن عمري.. أين أخْتَفِي.. وبماذا أُجيب..؟ وكيف أهرب من هذا السؤال..؟ كيف أُوَاجِه هذه الحقيقة..؟ أخذت أنظر في عينيها البريئة.. فهي تركض نحو العشرين.. هل أصدمها.. فهي تعتقد أنَّنِي إحدى الزميلات في الجامعة.. قد أكبرها بعام أو اثنين.. هل أخبرها أني أكبر منها بعشر سنوات.. أنِّي أزحف إلى الثلاثين.. فخلال الأسبوع القادم أكمل الثلاثين.. هل أقول لها أني مر من عمري ثلاثون عاما..لم أتزوج فيها ولم أنجب.. ولم أجمع من المال الكثير ولم أحقق أيًّا من أحلامي.. هل أصدمها في البشر..؟! وأقول لها: إنهم قد يعجزون في كثير من الأحيان عن اتخاذ القرارات المصيرية في حياتهم ..كما عجزت أنا وضعفت وتركت حياتي لأمي تلهو بها.. هل أقول لها: إنى عشقت حتى الثمالة وفشلت في الحافظ على رَجُلِي.. هل أصف لها خيبتي وأنا لم أصبح أي شيء كما كنت أحلم.. أخذت أنظر إليها وهي تنتظر الإجابة.. فقالت: أنسيت كم عمرك..؟!
ها أنا كالبهاء أمام طفلة تخطو أول خطواتها نحو الشباب.. وأنا في أول خطواتي نحو الهرم.. الكل يقول في مجتمعي: إن الثلاثين هي بداية النهاية.. الكل ينظر إليه بعين الشفقة.. بعين الحسرة.. الفتاة التي لم يقترن اسمها بأي رجل دائمًا ما تبدو ناقصة غير مكتملة.. لِمَ..؟ لِمَ يجب أن يقترن اسمي برجل..؟ ألا أصلح بأن أكون أنا.. وأنا فقط.. لِمَ أنا ناقصة دون رجل.. إنى أرى السبب الوحيد الذي يقرنني بالرجل هو الحب.. وإن لم أحب لن أتزوج.. لِمَ أتحمل عبء هذا الكائن دون حب.. أخذت الأفكار تتضارب في رأسي.. اكذبي عليها لا تجاوبي.. قولي لها الحقيقة.. اتركيها وافلتي من هذا الشيء.. أفقت من بين أفكاري.. وأنا أصارع فكرة قول الحقيقة.. إنني أمام العمارة التي بها الشركة التي أعمل بها.. أطلق لساني لها كلمة.. أنا في الثلاثين من العمر.. ورأيت نظرة غريبة في عينها.. وتركتها وحاولت الاختفاء من أمامها وسط حشود الركاب الذين يتصارعون للنزول من باب هذا الشيء حاولت الاختفاء لكي ألحق بموعد عملي الذي تأخرت عليه ما يقرب من نصف الساعة ويالِ هذه النصف ساعة ويالِ النظرات التي سترمقني بنظرة عدم الرضا عن هذا التأخير.. وأخذت ألهث حتى وقفت أمام مبني الشركة.. وسألت نفسي هل قلتِ لها عن عمرك فعلا.. هل أفْشيتِ لها بسرك.. هل نفضتِ التراب عن سنوات عمرك البالي..
نعم لقد قلت الحقيقة أنا في الثلاثين.. دون رجل.. دون مملكة.. دون أي شيء مما تملكه الإناث في مثل سني.. ولكني قد أملك ما لا تملكه الإناث في مثل سني.. أملك الحلم والأمل بالغد.. أملك الحلم بكوب من الشراب الدافئ وكتاب بين يدي أغوص بين صفحاته على أنغام أمواج البحر في مكان بعيد.. قد يكون به بشر آخرون يفهمون قيمة تفكيري.. يقدرون رغبتي في الحب.. يرفعون من شأني كإنسان قبل أن أكون أنثى لا نفع منها.. ولا دور لها في الحياة.. سوي الرقود علي البيض ليفقس.. أملك الحلم بالرجل الذي أختاره أنا.. الذي لا تفرضه عليَّ أمي.. أو يفرضه عليَّ المجتمع لأني على أعتاب أن أحمل لقب تخشاه الكثيرات من الإناث.. أحلم وأتمني أن تضمني ذراعاه.. رجل أحبني أنا.. وأرادني أنا وحارب من أجلي أنا.. الرجل الذي أستند علي ساعده فأشعر بالأمان.. حبيبي أنا.. فرجلي أنا لا ينظر إلى الأنثى على أنها شاه تستحق الأكل.. بل إنسانة تهوى وتعشق تحس وتنتشي..
نعم أنا في الثلاثين وأفخر بكوني أنثى ناضجة.. امرأة.. سيدة تحمل بداخلها قلب طفلة.. لا أخاف أن أنطق الثلاثين... أنا فخورة بنفسي.. بجنسي.. بشخصيتي حتى لو بلغت الأربعين دون رجل.. انتبهت للسعادة التي أصبحت فيها بعد أن تركت تلك الصغيرة.. لقد جعلتني أحبُّ يومي.. أحب عمري.. عندما فكرت به.. مرحى لكِ يا سن الثلاثين.. هلمي إليَّ فأنا لا أخشاكي ..

2 comments:

  1. زي ماتكوني وصفتي احساسي بالظبط اوقات كتير حد يسال سؤال تافهه لية مارتبطتيش لحد دلوقتي يخلوا الواحد يشعر وانه اصبح كهلا لا يقوي علي الحركة او ان الزواج هو السعادة الوحيدة في هذه الدنيا تفكير غبي من ناس بقيت بتنظر للزواج انه أمله وان اللي متلحقش قطار الزواج خسرانه وكلام فاضي كتير

    قصصك بالرغم من الحزن اللي فيها بس بجد بتشدني وبتعجبني جدا

    ReplyDelete
  2. You are a beautiful human being, being a female is so lovely, to feel, dream and fly.
    I hope you get what you hope for :)

    ReplyDelete