Sunday, May 31, 2009

الشجرة



كم كان صارما.. حازما.. قويا..ذو هيبه لا تضاهي بين اقرانه..اسمر بلون طين النهر..طويل كأنه نخل عربي.. لا يخاف..لا يخشي..الا ربه..هو بذره الصدق الذي ولد من رحم الحق.. خليط بين الشدة والليونة..مزيح من عبير الرحمة..وشذا القوة..معتق بداخله العدل والجبروت علي الظلم..انه ذلك الرجل الذي يتابهي به كل أهالي القرية..كأنه من صلب كل رجالها..وطلقته للدنيا ارحام كل نسوتها..
كان اصغر صبية العائلة الكبيرة ..ولكن لسبب غير معروف كانت كلمته برغم صغر سنه..تسري علي رقاب الجميع..لعل هذا السبب يعود لرحاجة عقله..وصواب حكمه..وامتدادبصيرته الي اعوام قادمه..
امام بيته تقبع شجرة..لها العجب..قويةوكبيرة ..تشبهه تماما..كبرت معه ..لا يعرف احد مصدرها أو من اين اتت اصولها ..الكل يعرف فقط انه عندما علمت امه انها حبلي به ..غرس ولده هذه الشجرة بجوار البيت ..كانت لا تزال نبته صغيرة عندما اهداه له احد الشيوخ..عابري السبيل علي القرية..اوصاه بها مدعيا انها من جذور شجرة زرعها نبي الله في ارض الحجاز..
كبرت الشجرة المباركة..التي كانت مزار لسكان القرية ..متقربين لها داعين الله بجوارها .. وكبر هو ..كبر علقه وقلبه..وكبر جسده..فأراد والده ان يزوجه كباقي اخواته..لتزداد العائلة حجما..ويتزايد ذكورها..وتزاد هيبتها مع زيادة نسلها..
وتزوج مهيب الطله..صائب الراي..من بنت شيخ الجامع..بيضاء الوجه كاليلة بدر ..عفيفة النسب..خليقة الطباع هي خير ابكار القرية..تهافت علي زواجها العشرات..ولكن والدها كان دائما يأمل أن تتمزج دماها الطاهر بدم تلك العائلة وخصوصا مهيب الطله.. وعقد القران..وعلقت الزينات..وعلت أصوات الطبول.. و بدأ الخبيز والطبيخ ..من أجل ليه الزفاف..
وهلت الليلة ..وعلا صوت مهيب الطله يرفض عاداتهم..وكانت كلمته كالسيف علي الجميع حتي علي شيخ الجامع ..وشيب العائلة..ووقف الكل ينتظر لحظة خروج منديل الدم الطاهر..ولكنه أصر ..ولم يخضع لتقاليد القريه..لن يتباهي بقوته علي ضعفها..ولن يسلب منها رقتها وحيائها..ليكشف للجميع حمرة منديل..تخصه هو فقط..وبدأ الكل يتهامس علي العائلة..وعلي خيبتها في رجولة اخر شبابها..لعله مهيب الطله..ولكنه ليس مهيب الرجولة..ونتشر الخبر في القرية كأنه نار علي سطح أحد البيوت تنتقل من بيت الي أخر..ومهيب الطله لا زال عند رايه..لن يدخل بها علنا..وترك الجمع..ودخل علي زوجته غرفتها..كان الرعب يبدو عليها أكثر من فرحة سنوات عمرها السته عشر..وإنحت علي قديمه تخلع عنهما الحذاء..فمتديت يداه اليها ترفعها من الارض..أوقفها أمامه ونظر اليها نظرة..تدل أنها ستظل دائما بجواره وليس تحت قدماه..ومرت الأيام وكانت وجه القمر نسمه هلت علي بيت العائلة الكبيرة..تبتسم ..تحنو..تعطف..وتهب لخدمة كائن ما كان.. من أهل البيت ..أو حتي من زائري الشجرة المباركة..ولكن كان الجميع دائم الهمز واللمز عليها لانها فرت من ليله الزفاف..ولانها لم تنجب حتي الان..
وزادت حكمة مهيب الطله..كأنه قاضي من عصر الخلفاء..أو حتي حكيم الزمان.. ومرت السنوات والكل ينتظر الحادث السعيد..ولكنه لم يأتي..وطال الأنتظار..لم يعرفا كام طال ولكنه طال..وبدأت العائلة الكبيرة في البحث عن أخري..تحمل بذور الحكمة.. ومهيب الطلة يرفض..ويقنعه الكبير..بأنها أرض بور..ويجب أن يزرع في أرض أخري..ولكنه لا زال يرفض..
وبلغ الخبر وجه القمر..واتجهت للشيخ الكبير تطلب منه أن يلح علي مهيب الطله فهي ترغب في رؤية بذرو حبها له حتي ولم كانت زرعت في غير أرضها..
ولانها قرية صغيرة ..كانت الأخبار تنتشر أسرع من إنتشار راحة الخبيز في الهواء ..والكل يتعجب من حكمة هذا المهيب..فهو رافض لكل ما هو عرف..ولكنه ايضا رزين ..حكيم غاضب من كل ما هو غير الحق..لا يابه للأعراف البالية..حانق علي التقاليد الظالمة..قليل الكلام..صابر علي القضاء..دائما ما يركن للشجرة المباركة..فهي الوحيدة التي تسمع نجواه قبيل الفجر..يشكو لها صبره الذي طال..يخط بيديه خط علي جذرعها كلما مرت سنة من عمره..ويتذكر كلما خط بيداه عليها إنها في مثل عمره..مزوعة في الارض عندما زرع هو في رحم أمه..فيبتسم..ويعادو الكرة كلما مرت سنة أخري من حياته...
ومرت من جديد السنوات عليهما..فكلما مر عام..تزاد وجه القمر عشقا له..ويزاد هو هيبه وسط اهله..وحكمة بين اقرانه..
وحدث ما تنماه الجميع..بدعاء صادق من قلب وجه القمر..ومرت عليهما التسعة أشهر كأنها كل ما تبقي من حياتهما..بطئية ..سكانة..لا حياه فيها..والكل ينادية بوالد الحكيم الصغير..ويدعو هو أن يكون كذلك..
وتعود فصول السنة من جديد تمطر وتزهر وتشتد حرراتها وتتساقط الاوراق من علي الشجرة القابعة أمام البيت..ويولد الحلم الذي كان وجهاً للقمر صغير..كأنها امها..بيضاء لون القطن..شعرها اسود كليل الصبر الذي انتظارها فيه..اول ما تحركت حبت نحو الشجرة..وأول ما لمست كانت أوراقها..وأول ما قالت كانت شجرة..
وما كفي الام الكبري علي وجه القمر انها طال الزمن عليها في انتظار حلمها ولكن كبلتها بوهم انها حبلت في انثي وزادت هم الاسرة هما..واثقلت كاهلهم بوجود انثي في ذلك البيت الكبير ولم تجرؤ ان تفعلها انثي في العائلة غيرها..
وجة القمر دائما تنسال دموعها الماً..اثناء نومها..ويشعر بها مهيب الطله..ويقبل جبينها النائم..ويبتسم للملاك الصغير..شكراَ ربه علي نعمه..
وكانت الملاك الصغير في يوم تختبي خلف الشجرة وتبكي..وتسمك امها من يداها تحاول جرها الي داخل المنزل..والطفلة تضرخ..كل ذبك والدها يتابع عن مقربه..ولكن بدأت الضراح يزادد و..لاحظ قسوة وجه القمر علي طفلتها..اتجه اليها وسحب الطلفة في رقة..ومسح دموعها بقبله علي خديها..وأخذ يتسأل عن سبب كل هذه الضجة... فنحت عليه وجه القمر هامسة بشئ ما في اذنه..حتي انهت كلامها..فرمقها بنظرة غاضبة..وحمل طفلته علي كتفه وانصرف غير مبالي بصوت وجه القمر الذي تعالي..
وإثناء مغيب الشمس دخل مهيب الطلة البيت الكبير..فوجد الام الكبري في انتظاره..تركها وانصرف فنادته..وانهالت عليه بسيل من الكلمات..عن العادات والتقاليد والعرف..فيجب ان تسري علي ملاكه الصغير عادات القري..لتحمي نفسها وعائلتها من ما هو أت..وأبي مهيب الطله العادات الباليه من جديد..لن يقتص من لحمه ..ولن يهتك حلم البراءه في بيته..
وظلت الام الكبري منعزله عن مهيب الطله سنوات لا تخاطبه سوي بنظرة حزن علي خيبتها فيه.حتي قبل وفاتها بساعات..عندما امسكت يداه..وطلبت منه ان يكتفي بهذا القدر من الكٌتاب علي حد تعبيرها لملاكه الصغير..فيجب ان تتزوج ..وراحت روحها بعد ذلك..
واصبحت الملاك الصغير..فتاة كبري تدرس الطب في جامعة المدينة..تذهب بمفردها وتعود بمفردها..كما أصبحت حديث القرية الصغيرة ...الكل يتعجب..والكل يضرب كفاً بكف..
فهي لم تبقي في البيت الكبير كما يُفعل مع مثيلتها..ولم تتزوج عندما بدأت عليها علامات الانوثة..لم يكن لديها من الاصدقاء سوي مهيب الطله والشجرة ..تجلس بجوارهما..تتحدث وتخط بيدها خطوط سنوات عمرها كما فعل أبوها..
وكانا يجلسنا في هدوءهما المعتاد..عندما عكر صفو جلستهما ابن الاخ الذي طالما رغب في وجه القمر الصغير شريكاً لفراشه..وطالما رفضت مهيب الطله..لانها غير كل الاناث فهي ابنته..ملاكه..انها انسان قلب ان تكون انثي..
وعادو ابن الاخ الطلب من جديد امام الفتاه..فهب فيه بصوت عال مهيب الطله..يرفض بشدة..ولفت شده انفعاله وصوته العالي اهل البيت الكبير واجتمع حوله اخواته..يناقشوه يعارضو..يستحضروا كل ذكرياتهم الاليمه مع مواقفه القديمة منذ بداية زواجه حتي يومهم هذا..والفتو حوله..وكلما اترفع صوت الفتاه تدافع عن ابيها ..اخرسها احد اعمامها وفي النهاية نهروها وادخلوها الي البيت ..وتعالت الاصوات في الخارج والتفت القرية حول العائلة المتنازعة والكل يتهامس يريد ان يعرف السبب..الكل يرغب في رؤية كلمة وصوت لمهيب الطله..ولكنه..لم يفعل..ظل صامتاً ينظر اليهم..كان الموقف مثلما الشاه التي التف حوالها الذئاب..ولكنه ايضا كل صامد..برغم كل الاهانات التي وجهت اليه من اخوته..
واثناء تعالي الاصوات..جلس بقرب الشجرة يستريح..جلس يلتقط انفاسه..واتأكد علي جزع الشجرة ..يخط بيده..خط عريض علي جذها بجواز خطوط عمرهما..
وسط تهليل الجميع واتهامه بانه لا يحترم احدا..ولا يحترم كل من حوله..شخص واحد فقط فطن لما يفعل..كانت تتابعة وجه القمر من احدي شرفات البيت الكبيرة...هرعت اليه وسط الرجال رسمت لتفسها طريق لتصل اليه..وكم حاولوا منعها كي تبتعد ولكن اصرارها لكي تصل اليه..كان اقوي مما فعلوا بهما طول عمرهما معا..وأقتربت اليه..نظرت في عينه..ابتسم لها..امسك يدها..وامسك الشجرة بيده الاخري..واسند راسه عليها..وظل يبتسم لعينيها..وهي تبكي وسط ذهول الجميع فلا احد يعرف مالذي يجري..وفي ثوان ضغط علي يده وجه القمر..ومالت راسه بشدة علي الشجرة..وأغمض عيناه..ساعتها سقطت كل أوراق الشجرة..وحلت نسمه باردة علي الجميع..نسمة تقشعر لها الابدان..وتنسال معها الدموع..لقد رحلا سويا..مهيب الطله والشجرة..

8 comments:

  1. قصتك جميله قوى
    عجبتنى لانك قولتى فيها من العادات والتقاليد القريه ومشكلاتها وازاى اننا ممكن بكل سهوله اننا نقف قدامها طالما مقتنعين باللى بنعمله
    بس كنت اتمنى ان ابن العم يعمل المستحيل علشان يتجوز الملاك الصغير

    وكمان مكنتش عاوز القصه تنتهى بماساه

    ReplyDelete
  2. أشكرك علي تعليقك

    وانت عندك حق؟؟؟

    بس ساعة المساه بتدي قوة للقصة

    ReplyDelete
  3. u have a special style in writing begad very attractive..

    ReplyDelete
  4. كل سنة وإنت طيبة

    ReplyDelete
  5. يااااااااااه
    قصه جميله جدا
    صعب اوى ان الواحد يعمل ثوره لوحده على العادات والتقاليد
    وحاليا مافيش راجل بالقوه والهيبه دى وفى نفس الوقت بالحنيه ورقه القلب والطيبه دى
    هى دى المثاليه

    ReplyDelete
  6. مدونة جميلة لكاتبة تستحق الإحترام .. اسلوبك هايل فى صنع المواقف والأحداث .. ورسالتك واضحة جدا بس حبة تفاؤل بقى علشان رسالتك تثبت فى عقول الناس

    ...

    وفى النهاية اكرر انها مدونة جميلة لفنانة تستحق الإحترام

    رفيق قبطان

    ReplyDelete
  7. دا الحلم بالرجل اللي ممكن يغير الواقع بتاعنا

    ReplyDelete